اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

السفير جمعة العبادي : ثقافة التقاعد وهيلمان الوظيفة العامة

السفير جمعة العبادي : ثقافة التقاعد وهيلمان الوظيفة العامة
أخبارنا :  

خلال سنوات عملي الدبلوماسي، لطالما لفت انتباهي حديث كنت أسمعه كثيراً من زملائي السفراء والدبلوماسيين الأجانب، عندما تقترب نهاية مهمتهم أو موعد مغادرتهم الوظيفة العامة. كانوا يتحدثون بكل هدوء وثقة عن موعد تقاعدهم، وخططهم المستقبلية، وما سيفعلونه بعد مغادرة الوظيفة.


فمنهم من كان يستعد للعودة إلى الجامعة والتدريس، ومنهم من يخطط لكتابة مذكراته أو ممارسة الاستشارات، أو الانخراط في العمل الثقافي والعام، أو التفرغ للأسرة، أو ممارسة هواية ومشروع شخصي ، حالت متطلبات الوظيفة دون التفرغ له.


وكان اللافت أنهم لم يتحدثوا عن التقاعد باعتباره خسارة أو نهاية المطاف أو فقداناً للمكانة، وإنما باعتباره مرحلة واستحقاق طبيعي في المسيرة الوظيفية لأي كان ، لها موعد معلوم وخطة معدة سلفاً.


ومن هنا بدأت أتساءل: لماذا تبدو ثقافة التقاعد في مجتمعاتنا مختلفة؟ ولماذا يرتبط التقاعد في أذهان البعض بفقدان المكانة والاعتبار، وكأن الإنسان يفقد جزءاً من قيمته بمجرد أن يغادر موقعه ؟


ربما تكمن الإجابة في ظاهرة يمكن أن نسميها "هيلمان الوظيفة العامة " ذلك الشعور الذي يجعل بعض الناس يربطون قيمتهم ومكانتهم الاجتماعية بالمنصب الذي يشغلونه، وبما يوفره لهم من لقب ومكتسبات وحضور وبروتوكول وعلاقات ونفوذ. ومع مرور السنوات، قد تتحول الوظيفة من وسيلة لخدمة الوطن والخدمة العامة إلى حالة أو هوية شخصية يصبح من الصعب على شاغلها أن يتصور نفسه خارجها.


وهذه معضله ثقافية قبل أن تكون إدارية ،


فالوظيفة العامة ليست ملكاً لصاحبها، والمنصب ليس حقاً أبدياً، وإنما هو تكليف ومسؤولية مرحلية ،يتبوأ الموظف موقعه ويغادره، بينما تستمر الدولة والمؤسسة، ويأتي بعده وفق نواميس الحياه ، جيل آخر يضطلع بالمسؤولية ويواصل المسيرة ، وفي هذا السياق نستلهم القول المأثور "لو دامت لغيرك ما اتصلت اليك "


والدبلوماسية، بحكم طبيعتها، تقدم نموذجاً واضحاً لذلك ، فالسفير يمثل بلده في دولة ما لفترة محددة، ثم تنتهي مهمته ويأتي سفير آخر. والسفارة لا تتوقف، والدولة لا تتوقف، والعلاقات بين الدول لا تتوقف ، الذي يتغير هو الأشخاص والمواقع ، والمسيره مستمره .


ولهذا فإن التقاعد لا ينبغي أن يكون مفاجأة صادمه تأتي في نهاية الطريق، وإنما ينبغي أن يكون مرحلة حتميه يتوجب الإعداد لما بعدها بوقت مبكر.


فالإنسان الذي يدرك أن الوظيفة مرحلة من مراحل حياته، وليست كل حياته، يستطيع أن يبني لنفسه شخصية مستقلة عن المنصب ، يقرأ ويكتب ويتابع ، ويطور اهتماماته، ويبني علاقاته الإنسانية، ويكتسب خبرات يستطيع أن يوظفها بعد انتهاء خدمته.


أما من يتقوقع في الوظيفة ويجعلها كل عالمه، فقد يجد نفسه يوم التقاعد أمام فراغ كبير ، ليس لأنه فقد القدرة على العطاء، وإنما لأنه لم يتعلم كيف يمارس العطاء بعيداً عن الموقع والمنصب واللقب.


وعليه فإننا بحاجة إلى ثقافة جديدة للتقاعد في مؤسسات الدولة ، ثقافة تقوم على احترام المتقاعد والاستفادة من خبرته، وفي الوقت ذاته تساعد الموظف على التخطيط المبكر لمرحلة ما بعد الوظيفة.


فالمتقاعد ليس «موظفاً انتهت صلاحيته»، بل انتقل من مرحلة الخدمة الرسمية إلى مرحلة أخرى يمكن أن يكون فيها أكثر حرية وقدرة على التفكير والكتابة والتدريب والاستشارة والعمل العام والثقافي.


ومن الحكمة أن تستفيد مؤسسات الدولة من الخبرات المتراكمة للمتقاعدين، خصوصاً في المجالات التي تحتاج إلى الخبرة والتجربة، من خلال أطر مؤسسية واضحة، بعيداً عن المحاباة أو إعادة إنتاج هيلمان الوظيفة بقوالب وصيغ جديده .


والأهم من ذلك كله أن نعيد النظر في مفهوم المنصب ، فليس عظيماً من يتمسك بالكرسي ، وإنما العظيم من يعرف أن الكرسي أمانة، وأن عليه أن يؤديها ثم يتركها لمن يأتي بعده. وليس النجاح أن تبقى في موقعك أطول فترة ممكنة، بل أن تغادره وقد تركت بصمه واضحة ، ومؤسسة أقوى، وطورت من مرؤوسيك وكوادرك أشخاصاً أكثر تمكيناً وقدرة ليواصلوا المسيره .


لقد علمتني تجربتي الدبلوماسية أن كثيراً من زملائنا في العالم ينظرون إلى نهاية الوظيفة باعتبارها بداية لمسار جديد ، لذلك تراهم يتحدثون عن المستقبل بثقة واطمئنان ، انتهت مهمتهم وغادروا مواقعهم الرسمية، لكن حياتهم لم تنته،ودورهم لم ينته، وقدرتهم على العطاء لم تنته.


وهذه، في تقديري، هي الثقافة التي نحتاج إلى ترسيخها عندنا.


أن نربي أبناءنا وموظفينا ومسؤولينا على أن الإنسان أكبر من وظيفته، وأن قيمته لا تقاس بلقبه، وأن الوطن لا يحتاج إلى موظفين دائمين بقدر ما يحتاج إلى مواطنين دائمين في عطائهم.


فالوظيفة تنتهي، والمنصب ينتهي، واللقب الوظيفي ينتهي، لكن السيرة والسمعة الطيبة والأثر الإنساني واحترام ومحبه الناس ، هي حصاد وحصيلة كل من أوفى بالعهد والقسم وأدى واجبه بأمانة وإخلاص .


ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في نهاية مسيرته الوظيفية أن ينظر إلى الوراء بلا ندم، وإلى الأمام بلا خوف، وأن يقول :


أديت واجبي في شرف الخدمة الوطنية بكل أمانة وقناعة ورضى ، وحان الوقت لأن أفتح صفحة جديدة من حياتي أواصل فيها مزيداً من البذل والعطاء . ومن يسعى لذلك لن يعدم الوسيله .


كل التقدير والإجلال للرواد الذين واكبوا مسيرة الوطن وسجلوا اسماءهم بكل شرف وأمانة في سفر الإخلاص لله والوطن والملك ، خلال خدمتهم أو خارجها على حد سواء .


مواضيع قد تهمك