د. خالد وليد محمود : عندما تصبح الذاكرة الرقمية تهديداً للخصوصية!
في عام 2011، بدأ عرض المسلسل البريطاني «بلاك ميرور» (Black Mirror)، الذي اشتهر بتقديم قصص مستقلة تستشرف التأثيرات الاجتماعية والنفسية للتكنولوجيا على حياة الإنسان. ومن بين أكثر حلقاته شهرة «The Entire History of You»، التي عُرضت في ديسمبر من العام 2011، وتدور حول مستقبل يمتلك فيه البشر تقنية تتيح تسجيل كل ما يرونه ويسمعونه، ثم إعادة تشغيل ذكرياتهم بالصوت والصورة متى أرادوا.
في ذلك العالم، لا يعود الإنسان مضطراً إلى الاعتماد على ذاكرته، ولا تملك اللحظات فرصة حقيقية للاختفاء. يمكن العودة إلى محادثة قديمة، أو إعادة مشاهدة موقف عابر، أو التدقيق في تعبير وجه أو كلمة قيلت قبل سنوات. ومع تحول الذاكرة إلى سجل رقمي دائم، تتحول التكنولوجيا تدريجياً من وسيلة لحفظ التجربة الإنسانية إلى أداة يمكن أن تعيد تشكيل العلاقات وتراقب السلوك وتكشف ما كان يمكن للإنسان أن ينساه أو يتجاوزه.
اليوم وبعد نحو خمسة عشر عاماً، يبدو أن الفكرة لم تعد بعيدة تماماً عن الواقع، وإن كانت التكنولوجيا قد سلكت طريقًا مختلفًا عما تخيّله المسلسل. فالإنسان اليوم لا يرتدي بالضرورة جهازاً يسجل كل ما يراه، لكنه يتعامل بصورة متزايدة مع أنظمة ذكاء اصطناعي تستطيع الاحتفاظ بسياق من تفاعلاته، وتذكر معلومات سابقة عنه، وربط تفاصيل متفرقة من محادثاته، واستخدامها لبناء تجربة أكثر شخصية.
وهنا تبدأ القصة الجديدة للخصوصية الرقمية. إذ إن الجيل الجديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي لا يتنافس فقط على أن يكون أكثر قدرة على الإجابة، بل على أن يكون أكثر قدرة على معرفة المستخدم وتذكره وفهمه. وكلما ازدادت هذه القدرة، انتقل السؤال من حدود البيانات التي تجمعها الأنظمة إلى حدود المعرفة التي تستطيع بناءها عن الإنسان.
هذا هو التحول الأكثر أهمية: في عصر الإنترنت، كان القلق يتمحور حول البيانات التي نتركها خلفنا. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد يصبح القلق حول الصورة التي تستطيع الآلة تركيبها من هذه البيانات.
إن معلومة واحدة قد لا تكشف الكثير، لكن عشرات المحادثات المتراكمة يمكن أن تكشف أنماطاً، واهتمامات، وتفضيلات، وسلوكيات. وما يقوله المستخدم في سياقات منفصلة قد يتحول، عندما يجمعه تطبيق واحد من أنظمة الذكاء الاصطناعي في سياق واحد، إلى صورة أكثر اكتمالاً عنه مما كان يقصد كشفه أصلاً.
ومن هنا تكتسب «الذاكرة الاصطناعية» أهميتها، لأن المشكلة هي ليست أن التكنولوجيا تستطيع أن تتذكر ما قلناه فقط، وإنما أنها تستطيع أن تربط ما قلناه، وتستخلص منه استنتاجات، وربما تعرف عنا أشياء لم نقلها صراحة.
ومع تسابق شركات الذكاء الاصطناعي على تطوير مساعدين يمتلكون ذاكرة أطول وسياقاً أوسع وقدرة أكبر على التخصيص، تبرز جبهة جديدة في معركة الخصوصية الرقمية: من يملك الذاكرة التي تُبنى عن الإنسان؟ وما الذي يحق للنظام الاحتفاظ به؟ وهل تمتد حقوق الخصوصية إلى الاستنتاجات التي تستخلصها الخوارزميات، وليس فقط إلى البيانات التي قدمها المستخدم بنفسه؟
بهذا المعنى تنتقل المسألة من عالم «يتذكر كل شيء» كما تخيل «بلاك ميرور»، إلى عالم من الذكاء الاصطناعي الذي يتذكر المستخدم. بل نحن أمام تحول أعمق: من ذاكرة رقمية تحفظ الماضي إلى ذاكرة اصطناعية تبني معرفة عن الإنسان من ماضيه.