اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : الاعتداءات على المياه والمتاجرة بظمأ الناس

د. خالد الحريرات البطوش : الاعتداءات على المياه والمتاجرة بظمأ الناس
أخبارنا :  

«مجنون رمى حجر في بير، مائة عاقل ما طلّعه»، يبقى هذا المثل الشعبي عاجزا عن وصف التخريب المتعمد الذي يلحقه العابثون بخطوط ومصادر المياه، وقد يتواضع الجنون أمام الجرأة على حقوق الناس، فخلال الأسبوع الماضي تعرضت هوّايات خط نقل مياه الديسة الى الاعتداء على نحو تسبب بهدر قرابة 5000 متر مكعب، وقد بلغ عدد الاعتداءات على المياه في العام الماضي قرابة 1853 حالة، وفي بلد يعتبر من أفقر دول العالم في المياه، تتجاوز خسارة هذه الاعتداءات كلف الصيانة وإعادة التشغيل الى حرمان مئات الالاف من المواطنين من حصصهم المتدنية اساسا، وإطالة انتظار دور ضخ المياه الى بيوتهم لتمتد معاناتهم أياما إضافية في هذا الصيف الحار.

تبلغ حصة الفرد السنوية من المياه في الأردن 63 مترا مكعبا، وهي كمية متدنية جدا قياسا الى النسبة العالمية التي يبلغ فيها خط الفقر المائي 500 متر مكعب للفرد في السنة الوحدة، وهي أيضا اقل من متوسط نصيب الفرد من الموارد المائية العذبة المتجددة في الدول العربية البالغة 480 مترًا مكعبًا سنويًا، وفي هذه الحالة يغدو الأثر الذي يخلفه أي هدر او عبث او اعتداء مضخما الى حد مقلق، وسيئا الى درجة تبرر نبذ تلك الفئة التي تجني المال على حساب ظمأ الناس.

يتفهم الأردنيون شح الموارد المائية الى ابعد الحدود، وقد تكيف السكان مع هذا الواقع منذ سنوات، وتبذل الجهات المعنية بالتخزين والتوزيع جهودا استثنائية في إدارة ندرة المياه وضبط التوزيع لضمان الوفاء بالاحتياجات الضرورية، ولعل تسعير اثمان المياه وفق شرائح تصاعدية يشكل استجابة ضرورية للترشيد، من اجل اتاحة الاستهلاك المنزلي بكلف معتدلة، وإبقاء ما يتجاوز تلك الحاجة في مصاف الاستهلاك المترف الذي لا يجوز ان يعامل بالسعر المخصص للشريحة الدنيا، وهذا الواقع هو الذي يجعل هذه السياسة المائية مقبولة في الوسط الاجتماعي لان الخيارات الاخرى ليست افضل، ولا تخدم اهداف التنمية المستدامة في مجال المياه.

الباعث على اعتداءات المياه ليس الحاجة وانما الجشع، فقد كشفت المتابعة والتحقيقات وجود بنية تحتية تم انشاؤها بمبالغ باهظة بقصد استجرار المياه بشكل غير مشروع، حيث يتم نقل تلك المياه في صهاريج وبيعها مقابل الثمن، وتبين ان هناك أرباحا فاحشة يتم تحصيلها بهذه الطريقة، يصعب معها تسويغ هذا السلوك الذي يفتقر للأخلاق ويصطدم بالدين قبل ان يخالف القانون.

الحبس لمدة تصل الى خمس سنوات مع غرامة حدها الأعلى سبعة الاف دينار هي العقوبة التي ينص عليها قانون سلطة المياه لكل من يحكم عليه بالاعتداء على خطوط ومحطات المياه، وتحكم المحكمة أيضا عند الإدانة بهذا الجرم بمصادرة الأدوات والآلات المستخدمة في ذلك الاعتداء، ولمعاملة المجرم في هذه الحالة بنقيض قصده – وهو الربح- تحصل اثمان المياه المستخرجة بطريقة غير مشروعة، وفي حال تكرار هذا الفعل تضاعف العقوبة، تبدو هذه العقوبات والتدابير كافية لخلق الردع وتحقيق العدالة، ولكن من المهم تعزيز الاجراءات الوقائية لمنع وقوع الاعتداء ابتداء، وضبط الجناة وملاحقتهم في حال ضلوعهم بهذه الجرائم، وقد يكون تسخير التكنولوجيا الحديثة منتجا في منع هذه الجرائم باستخدام الدرونات وتثبيت كاميرات مراقبة تخلق التردد في نفوس العابثين وتنهرهم، وتسهل ملاحقتهم في حال الاعتداء.

ــ الدستور

مواضيع قد تهمك