سيف الله حسين الرواشدة : الأردن من جغرافيا الأزمات إلى جغرافيا المشروع
قد تكون الجغرافيا هي الثابت الوحيد في عالم السياسة، ولكن وظيفتها اليوم أصبحت متحركة ومتغيرة، ففي عالم الجغرافيا السياسية لم يخطئ "ماهان" الاستراتيجي الأمريكي عندما قال إن البحر يصنع الثروة، لكنه لم يعش زمن الكابلات البحرية والذكاء الاصطناعي، وكذلك الاستراتيجي الإنكليزي "ماكيندر" لم يخطئ عندما تحدث عن محورية عمق اليابسة وتأثيره، لكنه لم يشهد اقتصاداً تتحكم فيه البيانات واستهلاك الطاقة والحواسب فائقة القدرة بما يفوق بطش الجيوش، ومع أن زميلهما "سبيكمان" كان الأقرب إلى فهم صراعات عصرنا، لكنه لم يكن يتصور أن تتحول مراكز البيانات إلى أدوات نفوذ لا تقل أهميتها عن القواعد العسكرية، وأن يتمحور الصراع بين القوى العالمية على ضمان أمن وانسيابية حركة البضائع في الجغرافيا، لتحل الموانئ، وسلاسل الإمداد، وبنية الإنترنت التحتية، وشبكات الطاقة، مكان المدافع والدبابات والفيالق، وليعاد تعريف صراع القوى على الجغرافيا إلى صراع على شبكة من العقد التي تربط الاقتصاد العالمي بعضه بعضا.
هذه التغيرات في الوظائف والمعاني تضعنا أمام حقبة جديدة من الإستراتيجية يمكن أن نسميها "جيوبوليتيك الاتصال"، حيث تصبح الدولة أكثر تأثيراً كلما ازدادت أهميتها في حركة التجارة والطاقة والبيانات والتمويل والمعرفة، خصوصا في جغرافيا إقليمنا الحبلى دوما بالمصاعب والتحديات والتي فرضت علينا فيما سبق ثقافة ادارة الأزمات، حتى اختلطت علينا الأدوات بالاستراتيجيات في وقت ما، لكننا اليوم امام منطق جديد، يتطلب منا تجاوز أدوات النجاة إلى صياغة استراتيجية وطنية تعتمد مشروعا وطنيا واحدا، تصهر الأردنيين ودولتهم وكل الطاقات المتاحة في بوتقة واحدة تنتج نفوذا حقيقيا، تكون سرديته معتمدة على اعادة تعريف وصناعة وزن ودور الأردن في مشاريع الإقليم.
حيث إن بلدنا يقع على نقطة التقاء لثلاثة مشاريع استراتيجية تريد اعادة رسم خرائط القوى، فمن جهة هناك الهلال الشيعي "مشروع طهران المعتمد جيوسياسية العمق القاري في تصدير شبكات النفوذ" ومن جهة ثانية مشروع الممر الاقتصادي الهندي- الشرق الأوسط- الأوروبي، وكذلك تواصل الصين بناء شبكات الحزام والطريق التي تعيد وصل آسيا بأوروبا وإفريقيا عبر منظومة جديدة من الموانئ والسكك الحديدية والاستثمارات، ناهيك عن البدائل المطروحة لمضيق هرمز الذي يقع الأردن في قلب أكثرها، كل هذه المشاريع تتقاطع مع توجه العالم لاعادة تنظيم خرائط حركة التجارة مما يؤثر على كلفتها، واستدامتها وأمنها.
والفرصة أمامنا اليوم لنصبح دولة ارتكاز لهذه المشاريع والتحول إلى عقدة أساسية في خرائط الحركة التجارية، عبر ميناء العقبة، وشبكات النقل الحديثة، والمناطق اللوجستية، والربط الكهربائي والرقمي، ومراكز البيانات، إضافة إلى الاستقرار بمعناه العام أمنيا وسياسيا وإداريا وقانونيا ومؤسسيا، الذي نستطيع ان نقدمه كميزة تنافسية لاقتصاد ينافس فيه وزن الثقة وزن رأس المال.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يشغل عقل الدولة الأردنية لم يعد: كيف ندير ما يخبئه لنا الإقليم من تحديات؟ بل: كيف نحسن استغلال الفرص التي تقدمها لنا جغرافيا الإقليم المشاكسة ومشاريع ممراته المتغيرة؟
ختاما، إن الجغرافيا تمنح الفرصة، لكن الاستراتيجية هي التي تحولها إلى نفوذ، ولأن مشروع الأردنيين الاول في القرن العشرين كان دولتهم، فإن مشروع القرن الواحد والعشرين يجب ان يكون الانتقال من ادارة الأزمات إلى صناعة الحلول والتحول إلى عقدة استراتيجية تعبر من خلالها تجارة العالم وترتكز عليها مصالحه.
ــ الراي