د. عبدالله محمد القضاة : من معان إلى العالم: رسائل اقتصادية في حديث الملك
لا يقتصر حديث جلالة الملك عبدالله الثاني أمام أهالي محافظة معان على عرض ملفات اقتصادية وخدمية، بل يحمل ملامح رسالة سياسية واضحة: الاقتصاد بات في صلب التحرك الخارجي للدولة، والتنمية المحلية جزء من معادلة الاستقرار الوطني، والنتائج الملموسة هي المعيار الحقيقي لنجاح السياسات.
أولى هذه الرسائل تتصل بالدبلوماسية الاقتصادية. فإعلان جلالته عن زيارات مرتقبة إلى دول كبرى لفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأردنية واستقطاب استثمارات نوعية، يضع العلاقات الخارجية في وظيفة عملية تتجاوز البروتوكول. المطلوب من الدبلوماسية هنا ليس اتساع شبكة اللقاءات، بل توسيع فرص التصدير، وجذب شراكات منتجة، وفتح مسارات جديدة أمام الاقتصاد الوطني.
كما أن الإشارة إلى الزيارة الأخيرة للمملكة المتحدة تؤكد أن بناء الشراكات الاقتصادية ليس تحركًا موسميًا، بل مسار مستمر لتنويع الشركاء والأسواق. وفي بيئة دولية سريعة التحول، تبدو هذه المقاربة ضرورية لتخفيف أثر الاعتماد على مسارات محدودة، ولتعزيز قدرة الاقتصاد الأردني على التقاط الفرص حيثما تتوافر.
في المقابل، تحمل كلمة "استثمارات نوعية" دلالة مهمة؛ فالمسألة لا تتعلق بعدد المشاريع المعلنة، بل بقدرتها على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وربط المحافظات بسلاسل الإنتاج والتصدير. وهذا ما يفسر أهمية الحديث عن ميناء العقبة–معان البري وربطه بسكة الحديد بين العقبة والشيدية. فالمشروعان لا يبدوان كخطط منفصلة، بل كجزء من ممر لوجستي وتنموي يعيد وضع الجنوب في قلب حركة التجارة والإنتاج.
ومن هنا تبرز معان بوصفها أكثر من محافظة تنتظر خدمات، إذ تُقدَّم كمركز محتمل للنقل والصناعة واللوجستيات. وتدعم القرارات المتعلقة بتخفيض أسعار الأراضي وكلف الكهرباء هذا الاتجاه، لأنها تعالج بعض العوائق التي تؤثر في جاذبية الاستثمار. والرسالة أن دور الحكومة لا يقتصر على الإعلان، بل يمتد إلى تهيئة بيئة قابلة لقرار استثماري حقيقي، بما يحافظ في الوقت نفسه على جدوى الشراكة مع القطاع الخاص.
ولا تقل الإشارة إلى دعم السياحة في البترا أهمية؛ فاستعادة الزخم السياحي تعني حماية الاقتصاد المحلي وما يرتبط به من أعمال وخدمات وفرص لأبناء المنطقة. أما التشديد على الزيارات الميدانية للمسؤولين، فيربط القرار العام باحتياجات المواطنين، ويجعل الميدان اختبارًا مباشرًا لمدى فاعلية التنفيذ.
خلاصة الحديث أن ثمة خيطًا واحدًا يربط الخارج بالداخل: دبلوماسية تفتح الأسواق، واستثمار يُقاس بأثره، وبنية تحتية تعيد تعريف موقع الجنوب، وحكومة تزيل العوائق وتتابع الواقع. لكن القيمة السياسية لهذه الرسائل ستتحدد بما يتحقق على الأرض؛ لأن المواطن يريد أن يرى الوعود فرص عمل، ومشروعات منتجة، وخدمات أفضل.