م. بلال خالد الحفناوي : إلى طلبة التوجيهي في الأردن: معدلك بابٌ وبداية وليس سقفاً أو نهاية
في كل صيف، تتحوّل بيوتنا إلى غرف انتظار كبيرة، الأهل يعدّون الأيام، الجيران يسألون، ومجموعات الواتساب لا تهدأ، ثم تظهر النتائج، فيفرح من يفرح ويصمت من يصمت، ويظن كثيرون أن القصة انتهت عند رقمٍ من ثلاث خانات.
الحقيقة ان القصة لم تبدأ؛ فبعد سبع سنوات من اليوم، لن يسألك أحد في مقابلة عمل عن معدل التوجيهي بل سيسألونك: ماذا تُتقن؟ وماذا بنيت؟ ومن وثق بك ولماذا؟ صحيح أن المعدل يفتح لك باباً معيّناً، لكنه لا يقرر أبداً إلى أي طابق ستصعد بعد أن تدخل من ذلك الباب.
وفيما يلي نصائحي الصادقة لطلبة التوجيهي وذلك بعد خبرة عميقة لمدة 24 عاما في العمل بالعديد من الشركات الكبيرة والمؤسسات والمنظمات:
أولاً: اتبع شغفك، لكن اعلم أن الشغف يحتاج صبراً أكثر مما يحتاج حماساً، الشغف ليس صاعقةً تضربك فتعرف طريقك في لحظة، غالبا يكون الشغف جمرة صغيرة تكتشفها وأنت تعمل، لا وأنت تفكر. اذا كان شغفك واهتمامك في الطب فادرس الطب واذا كان في الهندسة فادرس الهندسة واذا كان في القانون او الإدارة او الاقتصاد او أي تخصص فادرس ما تحب، لذلك: ابدأ من ميلٍ حقيقي، لا من كلام الناس، ولا من "أعلى تخصص بالمعدل"؛ لأن التخصص الذي تختاره سيرضي الآخرين حاليا لكنه سيصبح بعد سنتين من الآن عبئاً تحمله وحدك وتعاني منه وحدك، لأنك أنت من سيخضع للامتحانات، لا هم. الخلاصة: الشغف يوصلك إلى بداية الطريق، والصبر وحده هو ما يوصلك إلى نهايته.
ثانياً: اختر قطاعاً لتبقى فيه، لا مجرد تخصص لتتخرج منه وهذه من أهم النقاط وأقلها ذكراً، معظم الناس يفكرون بسؤال: "شو بدي أدرس؟" لكن السؤال الأفضل: "بأي قطاع أريد أن أبني اسمي خلال العشر سنوات القادمة؟" والفرق بينهما ضخم: فمن يفكر بتخصص، يتخرج ثم يبدأ من الصفر في البحث عن هويته المهنية، من يفكر بقطاع - طبي، هندسي، تقني، مالي، قانوني، تعليمي، إعلامي، زراعي، لوجستي- يبدأ من اليوم الأول بجمع كل ما يحتاجه ذلك القطاع: المعرفة، اللغة، الأدوات، الشهادات، والأهم الأشخاص.
إن طالب الهندسة الذي قرّر أن قطاعه هو الطاقة المتجددة، سيقرأ عنها، ويحضر مؤتمراتها، ويتدرّب في شركاتها، ويختار مشروع تخرجه فيها، وبعد خمس سنوات لن يكون "خريج هندسة" فقط، بل شخص معروف في مجاله الصغير.
وطالب الطب الذي عرف مبكراً أنه يميل للجراحة أو للصحة العامة، سيبني سيرته على هذا الأساس بدل أن ينتظر التخرج ليبدأ التفكير.
ان الاستمرارية في قطاع واحد هي أقوى ميزة تنافسية يملكها الشاب في بداياته، التنقّل كل سنة بين مجال وآخر يجعلك تبدأ من الصفر في كل مرة، بينما زميلك يراكم.
ثالثاً: الطريق طويل والمنافسة شديدة- وهذا خبر جيد، لأن المنافسة الشديدة تعني أن السوق يكافئ من يتعب، لا من يصل مبكراً فقط. ولا يوجد "طريق مختصر". فالطبيب يحتاج سنوات دراسة ثم امتياز ثم اختصاص، والمهندس المحترف لا يبني خبرته وقدراته في فصل دراسي، والمبرمج الذي تدفع له الشركات جيداً كتب آلاف الأسطر قبل أن يصل الى هذا المكان، ان المشكلة أن الجيل الحالي يقارن بداياته بنهايات الآخرين التي يراها على وسائل التواصل، أنت ترى نتيجة عشر سنوات في منشور واحد، فتظن أنك متأخر.
القاعدة البسيطة: تقدّم بطيء ومستمر يهزم تقدماً سريعاً ومتقطعاً في كل مرة، وان ساعة دراسة او قراءة يومياً لمدة أربع سنوات تساوي أكثر من 1400 ساعة، وهذا يكفيك لتصبح أفضل من 90% من زملائك في أي مهارة تختارها، لذلك اصبر لأن الأشجار التي تُثمر بسرعة تُقتلع بسرعة.
رابعاً: لماذا يتخرج طالبان من الشعبة نفسها بمستقبلين مختلفين تماماً؟
وهنا جوهر الحكاية، فتخيّل طالبين من نفس التخصص ونفس الجامعة وحتى نفس المعدل تقريباً، نجدهما بعد التخرج بسنتين بمكانين مختلفين، أحدهما يعمل في شركة يحبها، والآخر ما زال يرسل السير الذاتية للبحث عن عمل.
ما الذي حدث؟ لم يحدث شيء او تغيير جذري كبير، بل عشرات الأشياء الصغيرة:
الدورات: أحدهما أخذ دورات حقيقية في أدوات مجاله، والآخر اكتفى بمنهاج الجامعة.
المؤتمرات وورش العمل: أحدهما حضر وسأل وتعرّف على أهل الميدان، والآخر لم يخرج من قاعة المحاضرات.
العمل التطوعي: أحدهما تطوّع فتعلّم القيادة والعمل ضمن فريق وإدارة الوقت تحت الضغط وهذه مهارات لا تُدرَّس، والآخر اعتبر التطوع مضيعة للوقت.
التدريب العملي: أحدهما طرق الأبواب من السنة الثانية، والآخر انتظر التدريب الإجباري في السنة الأخيرة.
المهارات العابرة للتخصصات: الإنجليزية، الكتابة، العرض والإلقاء، تحليل البيانات، أدوات الذكاء الاصطناعي، هذه ترفع قيمتك في أي قطاع كنت.
الأثر الرقمي: واحدٌ يوثّق ما يتعلمه ويبني حضوره المهني، والآخر لا يعرفه أحد خارج غرفته.
ان الجامعة تعطي الجميع نفس الشهادة، لكنها لا تعطي أحداً القيمة نفسها، القيمة تصنعها أنت خارج القاعة.
خامسا وأخيراً، مبارك لمن حصل على معدل مرتفع؛ فلقد أثبتّ أنك قادر على الالتزام وهذه ميزة ثمينة، فلا تضيّعها في أول فصل جامعي.
ولمن لم يحصل على ما تمنّاه: خذ يومك لتحزن، ثم انهض، لأن هنالك أطباء ومهندسين ورواد أعمال ناجحين لم يكن التوجيهي أجمل ذكرياتهم، والأردن مليء بقصصهم، فمعدلك يحدد أين تبدأ، وأنت وحدك تحدد إلى أين تصل.
بالتوفيق للجميع.