اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. م. محمد الدباس : جدل الربع القانوني

د. م. محمد الدباس : جدل الربع القانوني
أخبارنا :  

تعلمنا أن التراجع عن الخطأ ليس عيباً بل فضيلة. لكن أن تتراجع الحكومة بعد أن يكون مجلس النواب قد وقف في الصف الأول للدفاع عن قراراتها، وأن يجد النواب أنفسهم فجأة أمام الرأي العام يبحثون عن (تبرير) لموقف لم يعد قائماً، فهذه ليست مجرد مراجعة لقرار، وإنما (مشكلة) في صناعة القرار وفي العلاقة بين السلطتين.


المشكلة هنا ليست أن الحكومة غيّرت رأيها وإنما: لماذا لم يكن رأيها واضحاً ومستقراً قبل أن يصل المشروع إلى مجلس النواب؟

في مشروع قانون الضمان الاجتماعي، دافع نواب عن المشروع وقدموا مبرراته، وتعاملوا معه باعتباره خياراً حكومياً يستند إلى دراسة وأسباب موضوعية ثم سحبت الحكومة المشروع. وهنا لا بد من طرح السؤال التالي: ماذا تقول الحكومة للنائب الذي دافع عن مشروعها أمام المواطنين، ثم وجد نفسه بعد ذلك في موقف لا يستطيع تفسيره؟ وهل المطلوب من النائب أن يكون مدافعاً عن الحكومة عندما تتخذ القرار، ثم أن يتحمل وحده كلفة تراجعها؟


هذا ليس تنسيقاً بين سلطتين؛ هذا (تحميل) لطرف (كلفة) قرار طرف آخر.


وفي قانون الملكية العقارية، ظهر جدل الربع القانوني وتصاعدت الإعتراضات النيابية والشعبية، ثم اتجهت الحكومة إلى اعتماد قيمة التعويض للسكك الحديدية كما لتعريف الطريق. لكن السؤال المهم يبقى قائماً: أين كانت هذه المعالجة قبل أن يصل القانون إلى الشارع؟ وأين كانت الدراسات والتنسيق قبل أن يتحول الموضوع إلى قضية رأي عام؟ وهل أختبرت تلك القرارات التشريعية أولاً في (مطبخ) الحكومة قبل الشارع؟


والأمر أكثر حساسية عندما ننتقل إلى التعيينات وإنهاء الخدمات. عندما يغادر مسؤول موقعه ثم يعود بعد فترة إلى موقع مؤثر، أو يُنهى تكليف مدير ثم يعاد أو يُستبدل أو تُشترى خدماته بقرار آخر، فإن المواطن لا يستطيع أن يبني صورة واضحة عن المعايير التي تتم، فهل نحن أمام عمل مؤسسي مستقر، أم أمام قرارات تُتخذ ثم يعاد النظر فيها وفقاً لظروف لا نعلمها؟


كما أن مجلس النواب ليس مطلوباً منه (مثلاً) أن يكون (مكتب علاقات عامة) للحكومة يدافع عن كل ما يصدر عنها، ثم يدفع ثمن التراجع أمام الشارع. إذا كان القرار حكومياً فالمسؤولية السياسية عن هذا القرار يجب أن تكون حكومية أيضاً. فهذا يربك المشهد السياسي ويضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. والأخطر أنه يجعل النائب متردداً في الدفاع عن أي مشروع حكومي مستقبلاً..


خلاصة القول، الحكومة من حقها أن تُراجع قراراتها، لكن ليس من حقها أن تنقل كلفة هذه المراجعة إلى مجلس النواب. وإذا كانت الحكومة قد أخطأت في التقدير، فعليها أن تقول ذلك بوضوح وتتحمل مسؤوليتها. وإذا كان المشروع يحتاج إلى تعديل، فليكن التعديل نتيجة دراسة وحوار مؤسسي، لا نتيجة ضغط الشارع بعد أن يكون القانون قد وصل إلى مجلس النواب.


فالمطلوب ليس حكومة لا تتراجع، وإنما حكومة لا تحتاج إلى التراجع كلما اصطدمت قراراتها بالواقع.


والمطلوب ليس مجلس نواب يدافع عن الحكومة، وإنما مجلس يمارس دوره التشريعي والرقابي باستقلالية ومسؤولية.. ويبقى التساؤل الأخير بعد كل ما تقدم؛ تُرى هل ستستعيد هذه الحكومة ثقة الشارع وثقة مجلس النواب؟


مواضيع قد تهمك