د. نوال محمد نصير : الطريق إلى الخدمة... لماذا نهدر وقت المواطن؟
بقلم: الدكتورة نوال محمد نصير
قبل أن يصل المريض إلى الطبيب، يكون قد استنزف جزءاً من طاقته في الانتظار، وجزءاً من وقته في التنقل بين النوافذ، وجزءاً من صبره في البحث عن توقيع أو ختم أو معاملة لم تكتمل. وما ينطبق على المستشفيات يتكرر، بدرجات متفاوتة، في كثير من الدوائر الحكومية، حيث تتحول الخدمة التي يفترض أن تكون يسيرة إلى رحلة طويلة تستنزف المواطن والموظف معاً.
إن القضية ليست في التزام الموظفين أو تقصيرهم، وليست في حرص الأطباء أو إخلاصهم، بل في منظومة من الإجراءات التي تراكمت عبر السنوات حتى أصبحت جزءاً من الروتين اليومي. ومع مرور الوقت، أصبح التعقيد مقبولاً، وكأن كثرة الخطوات دليل على جودة العمل، بينما الحقيقة أن المؤسسة الناجحة هي التي تحقق أهدافها بأقل وقت وأبسط إجراء وأعلى كفاءة.
في المستشفيات الحكومية تبدو هذه الإشكالية أكثر حساسية، لأن من يقف في طابور الانتظار ليس مراجعاً عادياً، بل مريض يبحث عن علاج، أو أم تحمل طفلها، أو كبير سن أنهكه المرض. وكل دقيقة يقضيها المريض في الانتظار قد تكون عبئاً نفسياً وجسدياً يضاف إلى معاناته، في وقت يفترض أن تكون فيه الرعاية الصحية عنواناً للسرعة والرحمة والإنسانية.
وفي المقابل، من الظلم أن تُلقى مسؤولية هذا المشهد على الطبيب أو الكادر الصحي. فالطبيب يعمل تحت ضغط متزايد، ويستقبل أعداداً كبيرة من المرضى يومياً، ويحاول أن يمنح كل مريض ما يستحقه من اهتمام. لكنه هو الآخر يواجه إجراءات إدارية معقدة، ونماذج متعددة، وأنظمة متفرقة، تستهلك جزءاً من وقته الذي كان الأولى أن يخصصه لمريض ينتظر خلف باب العيادة.
ولا يقتصر الأمر على القطاع الصحي، فالمشهد يتكرر في العديد من المؤسسات الخدمية، حيث يضطر المواطن إلى مراجعة أكثر من قسم، والانتقال بين أكثر من نافذة، وتكرار تقديم البيانات نفسها، رغم التطور التقني الذي يفترض أن يجعل المعلومة متاحة بضغطة زر. وعندما تتكرر الخطوات بلا مبرر، لا نخسر الوقت فقط، بل نخسر ثقة المواطن بجودة الخدمة.
ومن منظور إداري، فإن تبسيط الإجراءات ليس تنازلاً عن الرقابة، بل هو أحد أهم معايير الإدارة الحديثة. فالمؤسسات الرائدة في العالم لم تحقق نجاحها لأنها أضافت مزيداً من النماذج والتواقيع، وإنما لأنها أعادت تصميم إجراءاتها بما يختصر الوقت، ويقلل الهدر، ويرفع جودة الأداء، ويمنح الموظف القدرة على الإنجاز بدلاً من الانشغال بالروتين.
أما اقتصادياً، فإن الوقت المهدور يحمل كلفة لا تقل عن أي خسارة مالية. فكل ساعة انتظار تعني إنتاجية أقل، وتعطلاً لأعمال المواطنين، وضغطاً أكبر على المؤسسات، واستهلاكاً غير ضروري للموارد. لذلك فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الأبنية وحدها، بل في بناء إجراءات أكثر ذكاءً وكفاءة.
وأؤمن أن إدارة الوقت ليست مهارة فردية فحسب، بل ثقافة مؤسسية تبدأ من احترام وقت الإنسان. فحين نختصر الإجراءات، ونربط الخدمات إلكترونياً، ونراجع التعليمات بصورة مستمرة، فإننا لا نحسن مستوى الخدمة فقط، بل نمنح الطبيب فرصة أكبر لأداء رسالته، ونخفف الضغط عن الموظف، ونحفظ للمواطن حقه في خدمة سريعة وكريمة.
إن المواطن لا يطلب معاملة استثنائية، والموظف لا يبحث عن امتيازات إضافية، والطبيب لا يريد إلا أن يتفرغ لرسالته الإنسانية. وما يجمع الجميع هو الحاجة إلى إدارة أكثر مرونة، وإجراءات أكثر بساطة، ومؤسسات تجعل الوقت قيمة لا عبئاً.
إن احترام وقت الإنسان هو أول اختبار لنجاح أي مؤسسة. فالدول لا تقاس بعدد النوافذ ولا بكثرة الأختام، وإنما بقدرتها على إنجاز الخدمة بكفاءة وعدالة وسرعة. وعندما تتحول بساطة الإجراءات إلى ثقافة عمل، لن نوفر الوقت فحسب، بل سنبني ثقة المواطن بمؤسساته، ونخطو خطوة حقيقية نحو إدارة عصرية تضع الإنسان في قلب أولوياتها.