: أ.د. خالد واصف الوزني : اقتصاد الشرق الأوسط بسرعتين: من الصدمة المشتركة إلى المصائر المتباينة
بقلم: أ.د. خالد واصف الوزني
أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية
في تحديث لتقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي، وكذلك الحال في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. المتوقع ألا يتجاوز متوسط النمو في المنطقة مع نهاية هذا العام نحو 0.7% فقط مقابل 1.9% كانت متوقعة في إبريل/ نيسان، على أن يرتد إلى 6.5% مع إطلالة العام 2027، شريطة انتهاء الأزمة الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة في إيران. بيد أنَّ هذه التوقعات تخفي تبايناً حاداً بين الاقتصادات المنتجة للطاقة وتلك المستوردة لها، وحتى بين الاقتصادات المنتجة للطاقة فإن التوقعات للعراق والكويت وقطر توحي بانكماشات حادة في العام الحالي 2026، بفعل اضطرابات الإنتاج وسلاسل الإمداد، في حين من المتوقع أن تشهد السعودية ودولة الإمارات نمواً أكثر اعتدالاً، ومن ثمَّ تسارعاً يفوق معدلات المنطقة بكثير ويتجاوز 5.5% مع إطلالة العام القادم. أما في الاقتصادات المستوردة للطاقة، فإن الأردن، على سبيل المثال، يَظهر أكثر حفاظاً على الاستقرار النسبي، وفق توقعات آفاق الاقتصاد العالمي، بنمو قد يتجاوز 3% في العام 2027، مدعوماً ذلك بعودة عمل وانتعاش قطاع السياحة، والصادرات الصناعية، وتحويلات المغتربين؛ ذلك على الرغم من استمرار عبء الدين العام وتفاقم نسبه، وتشوُّه هيكله؛ وهو الحال في عدد من الاقتصادات الأخرى مثل مصر ولبنان وسورية. الاقتصادات الأكثر منعة في المنطقة هي تلك التي تبنَّت منذ زمنٍ مرونةً كافيةً تمكِّنها من امتصاص الأزمات دون أن تنهار بنيتها الإنتاجية. ولعلَّ نموذج الاقتصاد الإماراتي، والاقتصاد السعودي، بل ويمكن القول والأردني من أكثر النماذج التي يمكن وصفها بالاقتصادات الأكثر منعة وصموداً في وجه التحديات على مر الحِقب والفترات، على أن الاقتصاد الإماراتي يُعَدُّ الأكثر مرونة أو رشاقة بين اقتصادات المنطقة ككل.
الشاهد هنا، أنَّ نموذج التنوع الاقتصادي، في الإنتاج، والدخل، والتبادلات التجارية، لم يَعُدْ خياراً تنموياً رفاهياً، بل هو بوليصة تأمين استراتيجية تُختبَر فعلياً وقت الصدمات والأزمات لا وقت الرخاء. ولعلَّ مؤشر التنوُّع الاقتصادي العالمي الذي يصدر سنوياً عن كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية بالتعاون مع هيئات دولية يشكِّل بوصلة أمام صانعي القرار في المنطقة تساعدهم على رصد مدى القدرة والمنعة الاقتصادية لدولهم، ويعزِّز سردية اقتصادية حول أهمية ومنطق "إدارة الصدمة والمخاطر" في "بناء المناعة والمَنَعة" وذلك عبر ثلاثة مرتكزات متكاملة مترابطة. الركيزة الأولى تتمحور حول أهمية تسريع تنويع منافذ التصدير، وبالتالي تنويع مصادر دخل العملات الأجنبية وعوائد التصدير. أما الركيزة الثانية، فتكمن في أهمية بناء احتياطيات مالية سيادية، وتحقيق مرونة نقدية ذكية استباقية تُستخدَم بذكاء وقت الصدمة، بدلاً من الاكتفاء بأدوات الاستقرار النقدي التقليدية، على نحو ما فعلت اقتصادات مثل سنغافورة وإستونيا في سياقات مختلفة جذرياً، لكنها قابلة للاستلهام في تصميم أدوات المرونة المالية. أما الركيزة الثالثة، وهي الأكثر إلحاحاً لاقتصادات أثبتت استقراراً ماكرو-اقتصادياً نسبياً، كالأردن، لكنها تعاني عجزاً هيكلياً في خلق فرص العمل، فهي ربط برامج الإصلاح المالي المدعومة دولياً بمسار جريء لتحفيز استثمار القطاع الخاص، بحيث لا يبقى الاستقرار غاية بحد ذاته، بل قاعدة انطلاق نحو نموٍّ أعلى قادر على استيعاب الداخلين الجدد لسوق العمل.
المطلوب اليوم، أن تجد دول المنطقة العربية وتركيا مساراً تنموياً يرتكز على المصالح المشتركة بشكل أساسي، وذلك عبر تكوين كتلة اقتصادية حرجة، تُجنِّب الخلافات السياسية، وتُرَجِّح التعاون الاقتصادي المشترك القائم على مصالح القطاعين العام والخاص. نموذج دول الآسيان وبريكس، هو نموذج حيوي ماثل، وعلى هذه الدول أن تهرع نحو بناء منظومة تكتُّل اقتصادي موحَّدة في مصالحها، وإن اختلفت رؤاها وتحالفاتها السياسية أو مواقعها الجغرافية.
khwazani@gmail.com