المهندس مروان الفاعوري : كرة القدم: السياسة داخل المربع الأخضر
لم تعد كرة القدم كما كنا نعرفها؛ لعبةً للمتعة، ومهارةً في المراوغة، وهدفاً يدخل الشباك فيشعل فرح الجماهير. لقد خرجت الكرة من براءتها الأولى، ودخلت بقوة إلى عالم السياسة، حتى أصبح المستطيل الأخضر ساحةً أخرى من ساحات الصراع الرمزي والإعلامي.
في مباراة مصر والأرجنتين، لم يكن الجدل محصوراً في النتيجة، ولا في أداء اللاعبين، بل تعداه إلى ما هو أبعد من ذلك. فقد شعر كثير من المتابعين العرب أن المباراة حملت رسائل سياسية واضحة، خاصة مع رفع الأعلام الإسرائيلية في مدرجات الجمهور الأرجنتيني، في مشهد أثار استفزازاً واسعاً، وطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا يُسمح برفع رموز سياسية بعينها، بينما يتم التضييق على رموز أخرى، وفي مقدمتها العلم الفلسطيني؟
إن هذه الازدواجية لم تعد خافية على أحد. فحين يُحذَّر اللاعب العربي أو الجمهور العربي من رفع علم فلسطين بحجة منع السياسة في الملاعب، ثم تُرفع أعلام إسرائيلية في مباراة لا علاقة مباشرة لإسرائيل بها، يصبح السؤال أكبر من كرة القدم، وأعمق من المدرجات، وأخطر من نتيجة مباراة.
وزاد من حدة الجدل شعور جماهيري واسع بأن بعض القرارات التحكيمية لم تكن مفهومة، وعلى رأسها إلغاء الهدف المصري الثالث، وهو قرار ترك علامات استفهام كبيرة حول نزاهة المعايير وعدالة التطبيق. ولا يجوز أن تبقى القرارات المؤثرة في مصير المنتخبات الكبرى بلا تفسير واضح وشفاف، لأن صمت المؤسسات الرياضية يزيد الشكوك ولا يبددها.
لقد تحولت كرة القدم إلى أداة من أدوات القوة الناعمة، تُستثمر فيها الانتصارات والهزائم، وتُدار عبرها رسائل سياسية وإعلامية تتجاوز حدود الملعب. ولم يعد الجمهور العربي ساذجاً حتى يصدق أن كل ما يجري في الملاعب منفصل تماماً عما يجري في السياسة الدولية.
المشكلة ليست في أن يفرح جمهور بفوز فريقه، فهذا حق طبيعي، بل المشكلة حين يتحول الفرح الرياضي إلى رسالة سياسية منحازة، وحين تصبح القوانين صارمة على طرف ومتسامحة مع طرف آخر. عندها لا تعود الرياضة محايدة، ولا يعود الحديث عن "إبعاد السياسة عن الملاعب” سوى شعار يُستخدم عند الحاجة، ويُنسى عند الحاجة أيضاً.
إن الدفاع عن نزاهة كرة القدم اليوم هو دفاع عن العدالة قبل أن يكون دفاعاً عن فريق أو منتخب. والرياضة التي تكيل بمكيالين تفقد روحها، والجمهور الذي يرى الظلم ولا يجد تفسيراً مقنعاً، يفقد ثقته بالمؤسسات التي تدير اللعبة.
كرة القدم ستبقى جميلة ما دامت تُحسم بالقدم لا بالضغط، وبالمهارة لا بالاصطفاف، وبالقانون لا بالانتقائية. أما حين تدخل السياسة إلى المربع الأخضر من الأبواب الخلفية، فإننا لا نعود أمام مباراة فحسب، بل أمام مشهد سياسي كامل يرتدي قميصاً رياضياً.