اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الشقران : الحدود في الاستراتيجية الإسرائيلية... الأمن ذريعة والتوسع مشروع دائم

د. خالد الشقران : الحدود في الاستراتيجية الإسرائيلية... الأمن ذريعة والتوسع مشروع دائم
أخبارنا :  

تكشف الخطط الإسرائيلية الجديدة الخاصة بتعزيز الوجود العسكري والاستيطاني على الحدود الشرقية عن تحول عميق في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، يقوم على دمج العقيدة الأمنية بالمشروع الاستيطاني والأيديولوجيا الدينية في منظومة واحدة، فالمقترحات التي تتضمن إنشاء عشرات البؤر الاستيطانية ذات الطابع العسكري، وإقامة مزارع أمنية، وبناء جدار ذكي يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، تؤكد أن الاحتلال لا يتعامل مع الحدود باعتبارها خطوطاً فاصلة، وإنما باعتبارها فضاءات قابلة لإعادة الهندسة السياسية والديموغرافية بما يخدم مشروعه التوسعي.

 

التحول الأبرز يتمثل في إعادة تعريف مفهوم الأمن داخل المؤسسات الإسرائيلية ومراكز البحث والتفكير التي تدعمها، فبعد السابع من أكتوبر، جرى تقديم الفراغ السكاني بوصفه تهديداً استراتيجياً، ليصبح الاستيطان نفسه جزءاً من العقيدة الأمنية، وبهذا تصبح المستوطنات والمستوطنين عناصر اساسية في منظومة الدفاع، بينما تتحول المستوطنة إلى قاعدة أمنية متقدمة، وتتداخل وظيفة الجيش مع وظيفة المشروع الاستيطاني بصورة غير مسبوقة.

هذه الرؤية تعيد إحياء عقيدة إيغال آلون القائمة على الدمج بين السيطرة العسكرية والاستيطان، لكنها تكتسب اليوم أبعاداً أكثر خطورة مع إدخال التكنولوجيا الحديثة إلى منظومة السيطرة، عبر الجدران الذكية، وأنظمة المراقبة، والرادارات، والطائرات المسيّرة، والروبوتات، والذكاء الاصطناعي، وبذلك يصبح الاحتلال أكثر قدرة على فرض وقائع طويلة الأمد، مع تقليص الكلفة البشرية وتعزيز السيطرة المستمرة على الأرض.

غير أن البعد الأمني لا يمثل سوى الواجهة الظاهرة لهذا المشروع، بينما تكمن الركيزة الحقيقية في الفكر الأيديولوجي الذي يحكم اليمين الإسرائيلي المتطرف، فالتصريحات المتكررة لوزيرة الاستيطان أوريت ستروك، وغيرها من رموز اليمين الديني، تكشف بوضوح أن الاستيطان ينظر إليه باعتباره واجباً عقائدياً وتجسيداً لما يسمونه "الحق التاريخي" و"أرض الميعاد"، ويعني ذلك أن الاعتبارات الأمنية تستخدم غطاء لتنفيذ مشروع سياسي وديني يهدف إلى توسيع السيطرة على الأرض وترسيخ يهودية الدولة وفق الرؤية التي يتبناها هذا التيار.

وتزداد خطورة هذه المقاربة مع محاولات توظيف الروايات التوراتية في رسم التصورات الجغرافية والسياسية، بما يمنح المشروع الاستيطاني بعداً يتجاوز الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويعكس طموحات توسعية لدى بعض مكونات اليمين المتطرف لا تعترف بالحدود السياسية القائمة، وإنما تنطلق من تصورات دينية تسعى إلى إعادة صياغة الجغرافيا وفق مفاهيم عقائدية.

كما أن إنشاء عشرات البؤر العسكرية والاستيطانية، وإقامة المزارع الأمنية، وإعادة استثمار المواقع العسكرية القديمة، يمثل نموذجاً متدرجاً للسيطرة على الأرض، بحيث تتحول كل بؤرة إلى نقطة ارتكاز لتمدد جديد، وكل مزرعة إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع على مساحات واسعة، وهي آليات أثبتت التجربة أنها تشكل مقدمة لتوسيع الاستيطان أكثر من كونها استجابة لمتطلبات أمنية مؤقتة.

وتحمل هذه السياسات رسائل خطيرة تعكس توجهاً نحو إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في المنطقة، بما يفرض معادلات جديدة على دول الجوار، ويزيد من احتمالات التوتر وعدم الاستقرار، فكلما تعزز نفوذ اليمين المتطرف داخل دوائر صنع القرار، اتسعت مساحة السياسات القائمة على فرض الوقائع بالقوة، وتراجعت فرص التسويات السياسية القائمة على القانون الدولي.

إن أخطر ما تكشفه هذه الخطط أن المشروع الاستيطاني لا يمثل سياسة حكومية قابلة للتعديل، وإنما أصبح جزءاً من عقيدة سياسية ودينية تحظى بدعم متزايد داخل الائتلاف الحاكم، وعندما تمتزج الأيديولوجيا الدينية بالتفوق العسكري والتكنولوجيا المتقدمة، يصبح التوسع هدفاً قائماً بذاته، وتتحول الحدود إلى أدوات لإنتاج وقائع جديدة، بما يجعل المخططات الإسرائيلية مصدر تهديد مستمر للاستقرار الإقليمي، ويؤكد أن أطماع اليمين المتطرف توظف الحسابات الأمنية الآنية كمقدمات لمشروع أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة.

ــ الراي


مواضيع قد تهمك