اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. ليث كمال نصراوين : منع تضارب المصالح في العمل الوزاري

أ. د. ليث كمال نصراوين : منع تضارب المصالح في العمل الوزاري
أخبارنا :  

قرر مجلس الوزراء البدء في إعداد مشروع نظام جديد لضبط العمل الوزاري يهدف إلى تعزيز النزاهة والحوكمة في العمل العام، وستشكل هذه الخطوة تطورا تشريعيا مهما، كونها ستنقل تنظيم السلوك الوزاري من دائرة الالتزام الأدبي الذي كرسته مدونة السلوك الوزاري وميثاق الشرف، إلى إطار قانوني واضح ومحدد يرسم حدود المسؤولية الوزارية، ويوفر مِكنة قانونية الجهات الرقابية للتدخل قبل وقوع المخالفة، وليس بعدها فقط.

 

ولن يبدأ مشروع تنظيم النزاهة الوزارية من فراغ؛ فالمشرع الدستوري قد وضع حجر الأساس لمبدأي النزاهة والحيادية في العمل الحكومي من خلال المادة (44) من الدستور، التي تحظر على الوزير أثناء توليه الوزارة أن يشتري أو يستأجر شيئا من أملاك الدولة ولو كان ذلك في المزاد العلني، كما منعته من أن يكون عضوا في مجلس إدارة أي شركة، أو أن يشترك في أي عمل تجاري أو مالي، أو أن يتقاضى راتبا من أي شركة.

غير أن هذه الأحكام الدستورية، على أهميتها، جاءت في صورة مبادئ عامة تخص الوزراء، وتعكس فلسفة المشرع الدستوري في حماية استقلال القرار الوزاري، لكنها لم تتناول الأشخاص المرتبطين بالوزير بعلاقة الدم أو القرابة، أو الآليات الإجرائية اللازمة لتنفيذها، كما لم تعالج صور تضارب المصالح التي فرضتها طبيعة الإدارة الحديثة وتشابك المصالح بين القطاعين العام والخاص.

ومن هنا، فإن النظام المرتقب صدوره ينبغي أن لا يكون مجرد إعادة صياغة لما ورد في الدستور، وإنما يجب أن يشكل الإطار التنفيذي الذي يترجم المبادئ الدستورية إلى قواعد قانونية قابلة للتطبيق. فالغاية منه ليست فقط مكافحة الفساد، وإنما الوقاية منه وحماية المال العام قبل وقوع الاعتداء عليه.

لذا، فإن أول ما ينبغي أن يتضمنه النظام الجديد هو وضع تعريف واضح ودقيق لتضارب المصالح، بحيث يشمل كل حالة تتعارض فيها المصلحة الخاصة للوزير أو لأحد أقاربه مع مقتضيات المصلحة العامة، سواء ترتب على ذلك تحقيق منفعة فعلية أم اقتصر الأمر على احتمال التأثير في استقلال القرار الحكومي. كما يجب أن يمتد هذا المفهوم ليشمل مجرد وجود احتمال معقول لتأثر أي قرار حكومي بمصلحة خاصة، وذلك حفاظا على الثقة الشعبية بالحكومة ومؤسساتها.

كما يفترض أن يتضمن النظام التزاما قانونيا بالتقيد بقانون الكسب غير المشروع والإفصاح عن الذمة المالية للوزير وزوجته وأبنائه القصر بشكل دوري. ولا يكتمل تنظيم تضارب المصالح دون النص على امتناع الوزير عن المشاركة في أي قرار يتعلق بمصلحة شخصية أو عائلية له، بحيث يحظر عليه حضور المناقشات أو الاشتراك في التصويت أو توقيع القرار أو التأثير في مساره بأي شكل من الأشكال.

ومن صور تضارب المصالح استغلال المعلومات التي يحصل عليها الوزير بحكم وظيفته لتحقيق منافع شخصية له أو لغيره، وهو ما يستوجب حظرا صريحا على استخدام المعلومات غير المتاحة للجمهور لتحقيق أي منفعة شخصية أو عائلية أو لمصلحة، سواء أثناء شغل المنصب أو بعد مغادرته.

ومن المفيد كذلك أن يعالج النظام الجديد موضوع الهدايا والضيافة من خلال حظر قبولها، ووضع ضوابط للمشاركة في المناسبات الاجتماعية التي قد تنشئ حالة من تضارب المصالح، وأن ينظم علاقة الوزراء بمختلف الجهات والشركات المتعاقدة مع الحكومة، وبالمشاريع والعطاءات والمناقصات الحكومية، بحيث يمنع على الوزير التدخل في أي منها إذا كانت له أو لأحد أقاربه مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، مع إلزامه بالإفصاح الفوري عن ذلك، ونقل الاختصاص إلى وزير آخر عند الضرورة.

كما يمكن التفكير في توسعة نطاق القيود المقررة على الوزراء لتشمل ما بعد ترك المنصب، بحيث يمتنع الوزير، ولمدة زمنية محددة، عن العمل لدى الشركات التي كانت خاضعة لإشرافه، أو تمثيلها أمام الجهات الحكومية، أو الاستفادة من المعلومات والنفوذ الذي اكتسبه خلال توليه المنصب.

إن إصدار نظام جديد لضبط العمل الوزاري يشكل خطوة مهمة في الوقاية من تضارب المصالح، غير أن فعاليته ستبقى مرهونة بترسيخ ثقافة مؤسسية لدى الوزراء بأهمية النزاهة والحياد والشفافية باعتبارها قيما أساسية تحكم العمل الحكومي إلى جانب القواعد القانونية الملزمة. فنجاح أي تشريع لا يقاس بالنصوص التي يتضمنها فحسب، وإنما بقدرته على ترسيخ قناعة راسخة بأن احترام القانون والالتزام بأخلاقيات الوظيفة العامة يشكلان الأساس الحقيقي لنزاهة الإدارة العامة وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com


مواضيع قد تهمك