اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

ياسمين عياد : كيف نربي أبناءنا على روح الإبداع؟

ياسمين عياد : كيف نربي أبناءنا على روح الإبداع؟
أخبارنا :  

في زاوية دافئة من غرفة المعيشة، كان الصغير أحمد يجلس محاطاً بأكوام من قطع المكعبات المبعثرة، وقد بدت على وجهه ملامح التركيز الشديد وهو يحاول بناء برج غريب الشكل لا يشبه القوالب المرسومة على علبة اللعبة.

 

بجانبه، كانت شقيقته الكبرى سارة تحاول جاهدة إصلاح دميتها المكسورة باستخدام بضع قصاصات من القماش الملون وعلبة صمغ صغيرة.

في تلك اللحظة، دخل الأب وبادر بغضب: ما هذه الفوضى؟ اتركا هذا العبث واذهبا لحفظ دروسكما، فالشهادة والوظيفة المضمونة هما مستقبلكما الوحيد.

هذا المشهد المتكرر في بيوتنا، يضعنا مباشرة أمام السؤال الوجودي والتربوي الحارق: هل نريد لأبنائنا مجرد مقعد وظيفي باهت ينتظر بصمة الوقت، أم نريد تنشئتهم ليكونوا قادة مبدعين يصنعون فرصهم بأيديهم ويحفرون أسماءهم في تاريخ الإنسانية؟

تخيلوا لو أن والدة "توماس أديسون" استسلمت لقرار مدرسته حين طردته ووصفته بأنه طفل غبي لا يستحق التعليم! لكنها منحته الإنصات الدافئ واحتضنت شغفه في المنزل، ليتحول ذلك الصبي المشاغب إلى الرجل الذي أضاء العالم بعبقرية اختراعاته.

وانظروا إلى العالم المسلم "الحسن بن الهيثم"، مؤسس علم البصريات؛ لم يكن ليوضع اسمه بحروف من نور في تاريخ العلم لو لم يمتلك تلك الروح الريادية والجرأة على التفكير النقدي وتفكيك السائد في عصره، محولاً جدران غرفته المظلمة إلى أول مختبر لـ (الكاميرا) في التاريخ.

وتأملوا عبقرية عالم الفيزياء الفذ "ألبيرت أينشتاين"؛ في طفولته، أهداه والده بوصلة مغناطيسية صغيرة، ولم تكن تلك بالنسبة له مجرد لعبة، بل كانت الشرارة التي أشعلت فضوله حول القوى غير المرئية في الكون، ليقوده هذا الشغف لاحقاً إلى صياغة النسبية وتغيير مفهومنا عن المكان والزمان.

وانظروا إلى عالم الرياضيات المسلم الفذ "محمد بن موسى الخوارزمي"؛ الذي لم يكتفِ بنقل علوم من سبقه، بل امتلك الجرأة التفكيرية ليؤسس علم الجبر ويضع نظام "الخوارزميات" الذي يعتمد عليه العالم اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية.

وحتى في أعمق العلوم الإنسانية كـ علم الذرة، نجد العالمة "ماري كوري" التي تحدت كل ظروف عصرها واكتشفت عنصري البولونيوم والراديوم، ممهدة الطريق لفيزياء الجسيمات وعلاج الأورام، مضحية بحياتها في سبيل علم أفاد البشرية بأسرها.

وحتى في عصرنا الحديث، فإن إمبراطورية التكنولوجيا التي غيرت سلوك البشرية بقيادة "ستيف جوبز"، بدأت من كراج سيارات صغير في منزله، حيث كان يفكك الأجهزة ويعيد تركيبها بروح ريادية لا تخاف الفشل.

إن هؤلاء العلماء لم يولدوا بشهادات جاهزة، بل ولدوا بفضول حماه آباؤهم، وتشبهنا بأثرهم اليوم هو واجب وطني وإنساني؛ فالأوطان لا تُبنى بعقول تستهلك ما يصنعه الآخرون، بل بعقول قادرة على الابتكار والإنتاج الحقيقي.

نكتشف الطفل المبدع من خلال فضوله غير المألوف، وأسئلته العميقة، وعناده الإيجابي في تفكيك الأشياء وإعادة بنائها، وميله للابتكار بدلاً من التقليد.

وننمي هذا الإبداع بتقديم الإنصات الدافئ لأفكاره، وتحويل الخطأ في قاموسه من عقوبة إلى محطة تعلّم وتجريب، مع توفير بيئة منزلية حرة تفصل وعيه عن الاستهلاك الرقمي السلبي خلف الشاشات الباردة، وتدفعه لممارسة القيادة الناعمة والصلابة النفسية من خلال إدارة مشاريع وتجارب واقعية صغيرة تصقل مهاراته، ليبني ذاته ويفيد وطنه بكل استحقاق، وفخر، وثقة.


مواضيع قد تهمك