اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

فراس النعسان : أزمة انتظار

فراس النعسان : أزمة انتظار
أخبارنا :  

انتهت الحرب، لكن المنطقة لم تبدأ التعافي بعد. ليس لأن آثار الحرب كبيرة، بل لأن أحدا لا يستطيع الجزم بأنها انتهت فعلا.

دخلت المنطقة اليوم مرحلة مختلفة. ليست مرحلة حرب، وليست مرحلة سلام، بل مرحلة انتظار. وهذه، اقتصاديا، قد تكون أكثر المراحل كلفة.

ما تم التوصل إليه ليس اتفاقا نهائيا، وإنما مذكرة انتقالية ووقف لإطلاق النار يفترض أن يقود إلى اتفاق خلال ستين يوما، مع إمكانية تمديد المهلة. ومن الناحية السياسية، يبدو هذا مسارًا طبيعيًا. أما اقتصاديا، فكل يوم إضافي يبقى فيه المستقبل معلقًا يعني يومًا جديدًا من القرارات المؤجلة.

الاقتصاد لا يتعامل مع ما حدث، بل مع ما يتوقع أن يحدث. ولذلك، لا يكفي أن تتوقف الصواريخ حتى تعود عجلة الاستثمار إلى الدوران. المستثمر يسأل سؤالًا مختلفًا: هل انتهت الأزمة فعلًا، أم أن ما نراه مجرد هدنة مؤقتة؟ من هنا يمكننا القول بأنه طالما لا توجد إجابة واضحة، يبقى الانتظار هو القرار الأقل مخاطرة.

قد يؤجل مستثمر إطلاق مشروع جديد، وتعيد شركة شحن النظر في خططها التوسعية، ويتشدد بنك في تمويل مشروع كبير، وتبقي شركات التأمين أقساطها مرتفعة تحسبًا لأي تصعيد جديد. هذه القرارات لا تظهر في عناوين الأخبار، لكنها تعني أن الاقتصاد لم يغادر الأزمة بعد، حتى وإن غادرتها الجبهات العسكرية.

ولهذا، فإن المنطقة لا تواجه اليوم أزمة حرب بقدر ما تواجه أزمة انتظار. الجميع ينتظر. الحكومات تنتظر نتائج المفاوضات، والمستثمرون ينتظرون استقرار المشهد، والأسواق تراقب كل تصريح وكل اجتماع، لأن أي تطور قد يغير التوقعات بالكامل.

تكلفة هذا الانتظار لا تقاس بعدد الأيام، بل بحجم الفرص التي تؤجل. مشروع لا يبدأ في موعده، وعقد لا يوقع، ورأس مال يبقى خارج السوق، وقرار استثماري يؤجل إلى حين اتضاح الصورة. وفي الاقتصاد، قد يكون التأجيل أكثر كلفة من الإلغاء، لأنه يجمّد الحركة دون أن يضع نهاية واضحة لحالة التردد.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي خلال الأسابيع المقبلة ليس الحفاظ على وقف إطلاق النار فقط، وإنما الوصول إلى اتفاق نهائي ينهي حالة عدم اليقين. فالأسواق لا تبحث عن هدنة، بل عن وضوح. ورأس المال يستطيع التعامل مع المخاطر عندما تكون معروفة، لكنه يتردد أمام مستقبل مفتوح على كل الاحتمالات.

إذا انتهت المفاوضات باتفاق واضح، فستبدأ مرحلة التعافي تدريجيًا، لأن الثقة ستعود إلى الأسواق. أما إذا تحولت مهلة الستين يومًا إلى تمديدات متكررة، فإن المنطقة ستبقى تدفع ثمن الانتظار، حتى في غياب الحرب.

لهذا، فإن المفاوضات الجارية لا تحدد فقط مستقبل العلاقة بين أطراف النزاع، بل تحدد أيضًا موعد خروج المنطقة من اقتصاد الانتظار إلى اقتصاد التعافي.


مواضيع قد تهمك