حاتم النعيمات : صناعة القرار ومنصات التواصل الاجتماعي.
تحولت وسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة للكثير من صناع القرار إلى الأداة الأولى لقياس توجهات الرأي العام، وهذا طبيعي إلى حدٍ ما لكنه يفرض تساؤلًا عن قدرة هذه الوسائل على استخلاص التوجهات الحقيقية للمجتمع خصوصًا أنها أضعفت العلاقة بين الفعل وتحمل المسؤولية عن القيام به كما هو في الواقع.
تقول الأدبيات العلمية إن السلوك الإنساني على الإنترنت يختلف في جوانب كثيرة عن السلوك في الحياة اليومية، فقد أظهرت مراجعات منهجية حديثة (مثل دراسة بلوندن وبروديسكي- 2024) أن المستخدمين يميلون إلى تقديم أنفسهم بصورة مختلفة عن صورتهم الواقعية، لأن البيئة الرقمية تمنحهم مساحة أكبر للتصرف بطريقة لا يمارسونها في حياتهم الطبيعية، كما يعزو علماء النفس -ومن أهمهم جون سولر- هذا الاختلاف إلى ما يُعرف بـ”تأثير إزالة الضوابط”، حيث يقل الشعور بالمساءلة الاجتماعية، فيصبح الأفراد أكثر اندفاعًا وجرأة مقارنة بتفاعلاتهم على أرض الواقع.
إذن عوامل خداع الراصد واضحة علميًا، بالتالي فإن بناء أي قرار سياسي على قراءة هذه المنصات سيشوبه الارتجال على الأغلب، فقد يخلق تعليق لم يكلف صاحبه سعرا حراريا واحدا تفاعلًا مزيفًا خصوصًا مع تجذر أدوات كالحسابات الوهمية، والجيوش الإلكترونية، والحملات المنظمة.
الجديد الملفت هو تأثُّر صناعة القرار في بعض الدول بمنظومة التواصل الاجتماعي، بالتالي التخلي التدريجي عن استطلاعات الرأي العلمية، والبيانات الإحصائية، والدراسات الميدانية، وقنوات التواصل المباشر مع المواطنين، ورضوخ جزء من عملية اتخاذ القرار لسطوة هذه المنصات بشكل أو بآخر.
المخيف أكثر هو تحول هذه المنصات إلى هيئات تحقيق ومحاكم، فقد أضحت الجرائم والمخالفات تناقش عليها ويصدر فيها أحكام شعبية قبل المحكمة دون توفير مسار لرد الاعتبار للبريء، فرد الاعتبار مادة غير جاذبة للتفاعل كعنوان القضية البرّاق المثير. باختصار، تحوّل زخم تداول المعلومة لا مضمونها إلى الفيصل في كل قضية تطرح.
يمكن النظر إلى وسائل التواصل بوصفها مؤشرًا من بين مؤشرات متعددة، لا باعتبارها المعيار الوحيد لتشخيص المجتمع، فالفارق بين الاتجاه العام الحقيقي والاتجاه الذي تصنعه الخوارزميات قد يكون هو الفارق بين سياسة ناجحة وأخرى فاشلة تبنى على قراءة سطحية للواقع.