اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رمزي الغزوي : النرجسية الجديدة

رمزي الغزوي : النرجسية الجديدة
أخبارنا :  

أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يقع في غرام الصورة التي صنعها لنفسه. عندها يبدأ العيش خارج روحه، ويصبح همه أن يبدو سعيدا أكثر من أن يكون سعيدا، وأن يظهر كاملا أكثر من أن يظل إنسانا. ولهذا فمع كل صورة جديدة، وكل منشور جديد، تتسع المسافة بين الحقيقة وما نعرضه عنها، حتى يغدو القناع أكثر حضورا من الوجه.

لم نعد نعيش كما كنا، وإنما كما نعرض أنفسنا، وكما نرغب أن يرانا الآخرون. أصبحنا نراقب حياتنا من خلف الشاشات، نراجع تعابير وجوهنا قبل أن نصغي إلى مشاعرنا، وننتظر الإعجاب أكثر مما ننتظر القرب. كل لحظة تستعد للنشر، وكل شعور يمر عبر فلتر، وكل دفء يتحول إلى رقم. كأن الحياة فقدت عفويتها، وصارت خشبة مسرح لا ينطفئ ضؤها.

في هذا العالم المنساب بلا ضفاف، تحول الإنسان إلى حملة ترويج لا تنتهي. يعرض أفضل زواياه، ويخفي شقوقه، ويصوغ كلماته بما يضمن أكبر قدر من التصفيق. لم تعد الذات مساحة للاكتشاف، وإنما مشروعا قابلا للتعديل وفق مزاج الجمهور وإيقاع الخوارزمية. وكلما ارتفع منسوب التصفيق، ازداد الخوف من السقوط في صمت لا يراه أحد.

النرجسية سلوك يغري به العالم الرقمي الناس ويكافئهم عليه. الجميع يروي حكايته كما يحب أن تبدو، ويصنع لنفسه بطولة يومية، ويقنع الآخرين أن حياته تمضي في أجمل صورها. أصبح من اليسير أن يبني الإنسان مجدا من هواء، وأن يسوق ذاته كما تسوق السلع، يلمعها يوما، ثم يستبدلها في يوم آخر.

غير أن السؤال الذي يستحق التأمل هو: ماذا يبقى من الإنسان حين يصدق نسخته الرقمية أكثر مما يصدق قلبه؟ ماذا يبقى حين تختصر الصداقة في إشعار، والمودة في رمز، والاهتمام في ضغطة إعجاب؟ متى كانت آخر مرة جلسنا فيها مع إنسان دون هاتف بيننا، نصغي إليه لأن حضوره يكفينا، لا لأن حديثه يصلح للنشر؟

امتلأت المنصات، وجفت الأرواح. كثرت الكلمات، وندر الإصغاء. تمددت الصور، وانكمشت المشاعر. صرنا نصف الحياة أكثر مما نعيشها، ونوثق اللحظة أكثر مما نتذوقها. ننظر إلى أنفسنا من الخارج، فيما الداخل يلوح لنا في صمت، طالبا قليلا من الانتباه.

يبقى السؤال مفتوحا: هل نملك شجاعة إطفاء الضوء المسرحي لبعض الوقت؟ هل نستطيع أن نختار الصدق على العرض، والقرب على التفاعل، والإنسان على الصورة؟ وهل بقي في داخلنا متسع لصوت لا ينتظر التصفيق، ووجه لا يبحث عن فلتر، وقلب لا يقاس بعدد المشاهدات؟

ربما لا نحتاج إلى ثورة، وإنما إلى لحظة صفاء نسترد فيها أنفسنا. لحظة لا نعرضها، ولا نوثقها، ولا نفسرها. لحظة نعيشها كاملة، ثم نتركها تمضي كما تمضي الأشياء الجميلة. فقد تكون المعجزة في هذا الزمن أن تظل حقيقيا وسط هذا السيل من الصور، وأن تحب في صمت، وأن تعيش حياتك كما تشعر بها، لا كما يريد الآخرون أن يروها.


مواضيع قد تهمك