لما جمال العبسة : «الدولار» من الهيمنة الى الانفكاك
في نهاية الحرب العالمية الثانية التي أنهكت الدول الأوروبية الكبيرة، ومنها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، كانت هناك حاجة ملحة لدولة أخرى خارج أوروبا، لتقود الاقتصاد العالمي وتقدم الدعم للدول الأوروبية، وهو الدور الذي كانت الولايات المتحدة مؤهلة للقيام به، خاصة مع كبر حجم اقتصادها وتنوعه، وعدم تعرضها للدمار أثناء الحرب، وهنا جاءت اتفاقية بريتون وودز التي حُضرت قبل انتهاء الحرب اي في العام 1944، والتي اكدت على دور الدولار كعملة للمبادلات الدولية، فهي العملة المرتبطة بالذهب بسعر ثابت عند 35 دولاراً للأوقية، حينها تم ربط العملات الرئيسية بالدولار لتصبح امريكا حجر الزاوية في النظام النقدي الدولي حتى يومنا هذا.
المقدمة السابقة مهمة لاستيضاح متى بدأت هيمنة الدولار الامريكي على الاقتصاد العالمي، الذي بالطبع دفع بالقوة الاقتصادية الامريكية الى الصعود بشكل كبير ومع هذا الامر تقلص دور القوى الاوروبية الاخرى في الاقتصاد العالمي، منذ ذلك الحين حكم الدولار وتربع على عرش النظام النقدي الدولي، ثم جاء ما يٌعرف بـ»البترودولار» الذي ربط النفط بالدولار حصراً.
هذه الهيمنة لم تكن مجرد امتياز اقتصادي، بل حولتها الادارات الامريكية إلى أداة سياسية استخدمتها واشنطن لفرض عقوبات اقتصادية على دول العالم خاصة تلك المناهضة لسياساتها السلطوية، ومع مرور الوقت كشفت هذه السياسة مدة هشاشة الاعتماد الأحادي على عملة واحدة.
في التسلسل التاريخي لهذه الهيمنة وبدء انحسارها حالياً، نجد ان هناك العديد من دول العالم خاصة من شرقه، كانت تعمل بهدوء للخروج من تحت عباءة القطب الاحادي الى عالم متعدد الاقطاب، بعد ان ادركت قوتها الاقتصادية وقدرتها على ان تواجه اي تغيرات جيوسياسية او اقتصادية عالمية وبنت على اساسها قوتها الاقتصادية.
وهنا لا بد ان نذكر التوترات الجيوسياسية حول العالم والتي كانت واشنطن تحاول فرضها لتمكين سيطرتها في كافة المجالات، اسهمت كثيرا في تشكيل كيانات اقتصادية واسعة تسعى إلى الانفكاك من قبضة الدولار وهيمنة واشنطن، مثل بريكس ومنظمة شنغهاي لتطرح خلالها بدائل عملية.
اما على صعيد الدول، والتي هي بالمناسبة اعضاء فاعلة في هذه الكيانات العالمية نرى الصين التي دفعت باليوان إلى الواجهة، ليس فقط عبر التجارة التقليدية، بل أيضاً عبر تطوير عملات رقمية مشفرة مدعومة من دول هذه الكيانات، ولتكون أداة دفع خارج النظام الغربي.
وروسيا، وبسبب عمليتها العسكرية الخاصة في اوكرانيا والعقوبات الاوروبية الامريكية القاسية عليها، لجأت الى تعزيز استخدام الروبل، وبدأت بتطوير تقنيات دفع رقمية تقلل من الحاجة إلى الدولار، وكذلك إيران التي وجدت في العملات المشفرة وسيلة عملية لتجاوز القيود المفروضة عليها، لتصبح جزءاً من هذا المسار العالمي نحو التحرر النقدي.
الاهم من ذلك كانت السنوات الست الماضية اي في عهدة الرئيس الامريكي السابق جو بايدن والآن دونالد ترامب من المراحل الهامة في الاقتصاد العالمي، حيث بدأت البنوك المركزية حول العالم تزيد من احتياطياتها الذهبية على حساب الدولار، كرسالة واضحة بأن الثقة في العملة الأمريكية لم تعد مطلقة، ولا ننسى انه مع وصول ترامب، تعمقت هذه النزعة، إذ إن سياساته القائمة على العقوبات والحروب التجارية جعلت من الدولار أداة ضغط مكشوفة، ما دفع الدول إلى البحث عن بدائل أكثر أماناً، حيث لم يعد النظام النقدي العالمي حكراً على ورقة خضراء تطبعها واشنطن.
المشهد الراهن يكشف أن الدولار يتجه تدريجياً ليصبح جزءاً من سلة عملات، لا سيداً عليها، اليورو واليوان والذهب والعملات المشفرة تشكل أركاناً موازية، ما يخلق نظاماً نقدياً متعدد الأقطاب. هذا التحول سيقلل من قدرة واشنطن على استخدام الدولار كسلاح سياسي، ويمنح الدول المستهدفة بالعقوبات أدوات عملية لتجاوزها.
الدولار الذي حكم العالم كل هذه العقود يقف اليوم أمام تحدٍ غير مسبوق، فالانفكاك منه ليس حلماً، بل خيار استراتيجي، والمستقبل النقدي للعالم لم يعد أحاديا، بل متعدد الأبعاد، حيث تتراجع الهيمنة الأمريكية أمام واقع جديد أكثر تنوعاً وتوازناً، يفرض إعادة قراءة قواعد اللعبة الاقتصادية والمالية العالمية من جديد.