د.محمد صبحي العايدي : الوعي بالتاريخ (3): الحركات الإسلامية والانتقائية التاريخية
الاهتمام بقراءة التاريخ هو وصف الأمم الحية، إذ أن الأمم لا يمكن أن تعيش بلا ذاكرة، ولكن الوعي بالتاريخ لا يبدأ من البحث عما يؤيد قناعاتنا، بل من القدرة على رؤية الصورة كاملة، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، وصواب وخطأ، وعمران وصراع، أما أن تتحول القراءة التاريخية إلى عملية انتقاء مستمرة، فإن التاريخ يتحول إلى أداة أيديولوجية تخدم الجماعة أكثر مما تخدم الأمة أو الحقيقة، لأن العبرة والحجة من منظور أصول الفقه ليست بمجرد وقوع الفعل في التاريخ، وإنما بتحقيق مناطه، وفهم علته، والنظر في مآلاته، لذلك لا يجوز تحويل الأحداث التاريخية إلى أحكام مطلقة تسقط على كل زمان ومكان.
لقد وقعت كثير من الحركات الإسلامية في هذا المأزق، إذ لم تدخل إلى التاريخ لفهمه والاعتبار منه بكامل صورته، وإنما دخلت إليه وهي تحمل تصوراً مسبقاً عن الواقع والتغيير والسلطة، ثم راحت تنتقي من الأحداث والشخصيات ما يدعم هذا التصور، فأصبحت بعض الوقائع حاضرة في خطابها على الدوام، بينما غابت وقائع أخرى لا تقل أهمية وتأثيراً، ولهذا نراها تستحضر دائما صور المواجهة بين العلماء والحكام، وتتحدث كثيراً عن المحن والسجون والاضطهاد والثورات، لكنها نادراً ما تتحدث عن مساحات التعاون والإصلاح والتأثير التي شهدها التاريخ الإسلامي بين العلماء والسلطات السياسية، وكأن تاريخ الأمة لم يكن سوى سلسلة متواصلة من الصراع، مع أن جانباً كبيراً من الحضارة الإسلامية بني من خلال التفاعل بين السلطة والعلماء والمؤسسات الاجتماعية، لا من خلال القطيعة الدائمة بينها، ولذا لم يعد التاريخ هو الذي يصنع الفكرة، بل أصبحت الفكرة هي التي تعيد صناعة التاريخ.
كما تختزل بعض الحركات التاريخ في شخصيات محددة تجعل منها النموذج الوحيد في التغيير، فتتكرر أسماء بعينها في خطابها، حتى يبدو التاريخ الإسلامي كله يدور حولها، بينما تهمش مئات الشخصيات والمدارس والتجارب التي أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية بطرق مختلفة، كالحسن بن علي الذي قدّم وحدة الأمة على الصراع السياسي، وعبد الله بن عمر الذي عاش أحداث الفتنة الكبرى، ونأى بنفسه عن الدخول فيها، والإمام أحمد مع ما تعرض له من جور إلا أنه قال: لو كانت لي دعوة مستجابة لدعوت بها للحاكم، وصلاح الدين الأيوبي الذي بدأ مشروعه بتوحيد المجتمع، والنووي الذي جمع بين النصح للسلطة وخدمة العلم، ولم يحول الدين إلى مشروع صراع سياسي، والأمثلة تكاد لا تنحصر، فعندما تغفل قرون البناء العلمي والحضاري، ويركز على مواقف لها سياقها وظروفها، هنا لا يعود التاريخ مجالاً للتنوع والثراء، بل يتحول إلى رواية أحادية تسقط على فكرة مسبقة.
ومن أخطر نتائج هذه الانتقائية أنها تنتج وعياً مشوها بالواقع، فحين يربى الجيل الجديد على أن تاريخ الأمة هو تاريخ مواجهة دائمة مع السلطة، فإنه يبدأ بالنظر إلى كل واقع سياسي من خلال هذه العدسة وحدها، ويصبح كل إصلاح يعني صراع، وكل تغيير يعني مواجهة، وكل معارضة يعني حق.
إن الخطأ المنهجي هنا لا يكمن في الاستشهاد بالتاريخ، وإنما في تحول التاريخ إلى قوالب جاهز، وأدلة مجردة تنتزع من سياقاتها الزمنية والسياسية والاجتماعية، لنصرة ما تتبناه الحركات الدينية، ولكن لو درسنا الأحداث في سياقاتها وظروفها، لكانت معظم هذه الاستشهادات لا تصلح لزماننا، فما كان مناسباً لظرف تاريخي معين، قد لا يكون مناسباً في ظرف آخر، لأن الأحكام على الوقائع تتغير بتغير عللها وسياقاتها ومآلاتها، ومن منظور علم الاجتماع، فإن الجماعات الأيديولوجية تميل بطبيعتها إلى بناء ذاكرة انتقائية، لأنها تحتاج إلى سردية تمنحها التماسك الداخلي والشرعية والرمزية، فهي لا تتذكر من التاريخ إلا ما يعزز هويتها وحضورها الجماهيري، بينما تهمل الروايات الأخرى التي تضعف سرديتها، وهنا يستخدم التاريخ للتعبئة لا مادة للمعرفة والتأمل.
إن أخطر أشكال تزييف الوعي ليس تزوير التاريخ، بل انتقاء بعضه، وإخفاء بعضه الآخر، وما تفعله الانتقائية التاريخية أنها تجعل الجماعة الدينية ترى في التاريخ ما تريد أن تراه فقط، فتفقد القدرة على النقد والمراجعة والتعلم، ويصبح التاريخ وسيلة لإنتاج الانحيازات نفسها جيلاً بعد جيل، والوعي بالتاريخ يبدأ حين نسمح للتاريخ أن يصحح أفكارنا، لا حين نستخدمه لتبريرها.
*باحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد