حسام عايش : التضخم المنخفض.. فرصة برسم الاستثمار
معدلات التضخم، توجه البنوك المركزية، بشان سياستها النقدية، فكلما ارتفعت فوق المستويات المستهدفة ترفع البنوك المركزية عادة اسعار الفائدة لتقليص الطلب الكلي، وكبح الارتفاع المتسارع في الاسعار، بينما يفتح تراجعها المجال لسياسات نقدية اكثر مرونة لدعم النشاط الاقتصادي والاستهلاكي والاستثمار.
لذلك، لا تنظر البنوك المركزية الى التضخم باعتباره رقما مجردا يعكس ارتفاع الاسعار فقط، بل باعتباره مؤشرا على توازن الاقتصادي، والقوة الشرائية، وتكاليف المعيشة.
فالتضخم المرتفع، يقلص دخول الافراد الحقيقية، ويؤثر في مستويات الادخار والاستثمار، في حين ان التضخم المنخفض، يوفر بيئة اكثر ملاءمة للتخطيط الاقتصادي، ويعزز الثقة لدى المستهلكين والمستثمرين والقطاع الخاص.
هذه العلاقة تنعكس بصورة مباشرة على اسواق الاسهم والذهب، فهما عادة ما يستفيدان من انخفاض اسعار الفائدة، حيث تنخفض كلفة التمويل للشركات، وترتفع القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية، ما يعزز تقييمات الاسهم ويدعم ارتفاعها.
فيما يستفيد الذهب من تراجع اسعار الفائدة، لانه لا يحقق عائدا مباشرا، مما يجعل انخفاض العوائد على الاصول الاخرى مثل السندات اقل جاذبية نسبيا، ما يزيد الطلب عليه كملاذ استثماري، ويحسن شهية المستثمرين للمخاطرة.
اما السندات، فتتفاعل بطريقة مختلفة، فعندما تنخفض الفائدة ترتفع اسعار السندات القائمة ذات العوائد الاعلى، بينما يؤدي ارتفاع الفائدة الى انخفاض قيمتها السوقية لصالح السندات الجديدة التي تصدر بعوائد اكبر، ولهذا تشكل اسواق السندات مرآة مبكرة لتوقعات المستثمرين تجاه التضخم والسياسة النقدية المستقبلية.
من الناحية الاقتصادية، لا يوجد مستوى مثالي واحد لاسعار الفائدة يصلح لجميع الدول؛ لان القرار بشان اتجاهها يعتمد على مجموعة واسعة من العوامل على راسها معدلات التضخم، والنمو، والبطالة، والاستقرار المالي، وحركة رؤوس الاموال.
لذلك، قد تلجا بعض البنوك المركزية الى تبني سياسات نقدية متشددة استجابة لارتفاع معدلات التضخم، في حين تفضل اخرى الابقاء على اسعار الفائدة دون تغيير، تبعا لظروفها الاقتصادية المحلية، وتقييمها لطبيعة الضغوط التضخمية، وما اذا كانت مؤقتة، او مستوردة من الخارج ، او تعكس اختلالات داخلية في الطلب والانتاج.
اردنيا، قد تبدو الصورة مختلفة نسبيا مقارنة بالعديد من الاقتصادات التي ما تزال تواجه ضغوطا تضخمية مرتفعة، فمعدل التضخم التراكمي خلال الاشهر الخمسة الاولى من 2026 عند 1.88 %، يعد منخفضا ومعتدلا وفق المعايير الدولية، وقريبا من المعدلات المستهدفة من العديد من البنوك المركزية الكبرى. وحتى مع ارتفاع معدل التضخم في ايار الحالي مقارنة مع ايار من العام الماضي 2.83 %، فانه ارتفاع يظل ضمن نطاق لا يشير الى ضغوط تضخمية مقلقة تستدعي استمرار معدلات الفائدة المرتفعة.
لذلك، ومن حيث المبدأ الاقتصادي البحت، فان استمرار التضخم عند مستويات تدور حول 2 % او اقل، يوفر مساحة اوسع امام السياسة النقدية للنظر في امكانية تخفيض اسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي -الذي يتوقع ان يتباطأ على وقع حرب ايران الى حدود 2.6 % من تقديرات سابقة عند 2.9 %-وتحفيز الاستثمار والائتمان، على قاعدة تحقيق التوازن بين الحفاظ على استقرار الاسعار من جهة، ودعم النمو الاقتصادي من جهة اخرى.
فالتشدد النقدي حتى مع انخفاض معدل التضخم الى 1.88% وبقاء معدل البطالة مرتفعا الى 21.1 %، يحد من النشاط الاقتصادي والاستثماري، ويضعف الطلب الكلي، فيما التيسير النقدي المفرط وصفة تضخمية بالكامل، ما يعني ان المطلوب، فائدة محايدة، تحقق توازنا بين استقرار الاسعار ودعم النمو الاقتصادي المستدام.
معدلات التضخم المعتدلة التي يعيشها الاردن فرصة يجب استغلالها، فهي البيئة الاكثر ملاءمة لحركة الاقتصاد لانها تمنح البنك المركزي مرونة اكبر في ادارة اسعار الفائدة، وتدعم اسواق الاسهم وحركة السوق، وتوفر للمستثمرين والقطاع الخاص والمواطنين رؤية اوضح لاتخاذ قراراتهم الاقتصادية والاستثمارية والانفاقية؛ ما يجعل من استقرار معدل التضخم احد اهم مرتكزات التنمية الاقتصادية التي يفترض استثمارها اقتصاديا واستثماريا ونقديا ومعيشيا.
ــ الدستور