مطعم «شاهين» في مادبا.. سبعة عقود تختزل ذاكرة المكان وحكايات الأكلات الشعبية
في قلب مدينة مادبا، وبين أحيائها العريقة التي تختزن ذاكرة المكان وحكايات أهله، يواصل "مطعم شاهين للأكلات الشعبية" حضوره كواحد من أقدم المطاعم التي ارتبط اسمها بالتراث الغذائي في المدينة، شاهدًا على رحلة امتدت لأكثر من 70 عامًا من العمل المتواصل والعطاء، وعلى إرث عائلي توارثته الأجيال جيلا بعد جيل.
المطعم لا يقتصر دوره على تقديم الأطعمة الشعبية، بل يروي قصة عائلة ارتبط اسمها بالفلافل والحمص والفول والمسبحة منذ خمسينيات القرن الماضي، حتى أصبح جزءا من المشهد الاجتماعي والتراثي في مادبا.
وتعود بداية الحكاية إلى عام 1952 عندما قدم الحاج كامل شاهين وأشقاؤه الحاج صالح والحاج صادق والحاج توفيق من الضفة الغربية إلى مدينة مادبا، حاملين معهم خبرة واسعة في إعداد الأكلات الشعبية التي كانت تحظى بإقبال متزايد آنذاك.
وبدأوا مع استقرارهم في مادبا بممارسة المهنة التي عرفوها وأحبوها، ليساهموا في ترسيخ حضور هذه الأطعمة في مادبا ويضعوا اللبنة الأولى لمسيرة استمرت لعقود طويلة ولم تكن المهنة بالنسبة لعائلة شاهين مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل شكلت أسلوب حياة متكاملاً، فقد عمل الأشقاء جنبًا إلى جنب، وتقاسموا مسؤوليات العمل وتحدياته، وسخروا وقتهم وجهدهم لبناء اسم اكتسب ثقة الناس واحترامهم.
وأصبح اسم شاهين مع الأيام مرادفًا للأكلات الشعبية في مادبا، وتحول المطعم إلى محطة رئيسية لأهالي المدينة وزوارها، كما انتقلت المهنة إلى الجيل الثاني من أبناء العائلة الذين نشأوا في أجواء العمل داخل المطابخ الشعبية، وتعلموا أسرار الصنعة منذ الصغر، حتى أصبحت المهنة جزءًا من شخصياتهم وذاكرتهم.
واليوم يواصل ربيع شاهين هذه المسيرة العائلية الطويلة مستندًا إلى خبرة تراكمت داخل الأسرة على مدى أكثر من سبعة عقود.
ويقول ربيع لوكالة الأنباء الأردنية "بترا" أن هذه المهنة تمثل تاريخ عائلة بأكملها، وليست ملكًا لشخص واحد، مشيرًا إلى أن أشقاءه وأبناء أعمامه عملوا جميعًا فيها منذ سنواتهم الأولى، ما جعلها جزءًا أصيلاً من هوية الأسرة وموروثها الاجتماعي والمهني.
ويضيف "أن سر استمرارية هذا العمل طوال هذه السنوات يعود إلى حب المهنة والإخلاص لها، إلى جانب الحرص على احترام الزبائن والمحافظة على الجودة ذاتها التي عرفها الناس منذ البدايات".
ويتابع "الآباء والأجداد كانوا يؤمنون بأن الزبون لا يبحث عن الطعام فقط، بل عن الثقة والصدق والنكهة التي اعتاد عليها، وهو ما دفع العائلة إلى التمسك بالأصول ذاتها التي قامت عليها المهنة منذ تأسيسها".
ولهذا السبب ما يزال المطعم يحافظ على الكثير من تفاصيل العمل التقليدي، حيث تُحضّر الفلافل وتُقلى يدويًا، كما كانت في الماضي، دون اللجوء للآلة، فيما تعتمد عملية إعداد الأطعمة على الخبرة المتراكمة واللمسة اليدوية التي توارثتها الأجيال.
كما ما تزال أطباق الحمص والفول والمسبحة تُعد بالطريقة نفسها التي اشتهرت بها العائلة منذ عقود، محافظة على نكهتها الأصيلة التي يعرفها الزبائن جيدًا.
ومع ساعات الصباح الأولى، يبدأ مشهد اعتاده أهالي مادبا وزوارها، حيث يتوافد الزبائن إلى المطعم للحصول على أطباق الحمص والفول والمسبحة والفلافل الطازجة، ولا يقتصر رواد المطعم على أبناء مادبا فقط، بل يمتد حضوره إلى زوار المدينة من مختلف محافظات المملكة، إضافة إلى السياح العرب والأجانب الذين يقصدون مادبا لما تتمتع به من مكانة تاريخية وسياحية، فأصبح جزءًا من ذاكرة المدينة.
ويتميز المطعم بساندويش الفلافل الذي تحول مع مرور الزمن إلى علامة مميزة يعرفها الناس داخل مادبا وخارجها، بفضل مذاقه الخاص وجودته الثابتة، فأصبح اسمه متداولاً بين الزوار والسياح، حتى بات كثيرون يعتبرون أن زيارتهم للمدينة لا تكتمل دون التوقف عند مطعم شاهين وتذوق فلافله الشهيرة.
ويقول ربيع شاهين، إن سر هذا الإقبال المستمر لا يكمن في الوصفة وحدها، بل في الثقة التي بنتها العائلة مع الناس على مدار عقود طويلة، أكثر ما يسعده هو رؤية زبائن كانوا يزورون المطعم برفقة آبائهم وأجدادهم، ثم أصبحوا اليوم يصطحبون أبناءهم وأحفادهم إلى المكان نفسه، في صورة تعكس عمق العلاقة التي نشأت بين المطعم ورواده عبر الأجيال.
وفي مشهد يختصر استمرارية هذا الإرث، يقف ابن ربيع إلى جانبه مشاركًا في إعداد الفلافل وخدمة الزبائن، كما وقف هو من قبل إلى جانب والده وأعمامه، فكما تعلم الآباء من الأجداد، يتعلم الأبناء اليوم من آبائهم، لتبقى الحرفة حية ومتجددة داخل الأسرة، وتواصل رحلتها نحو جيل جديد.
ورغم التطورات الكبيرة التي شهدها قطاع المطاعم وظهور وسائل حديثة للإنتاج والتحضير، ما تزال عائلة شاهين تؤمن بأن للأكلات الشعبية روحا خاصة لا يمكن أن توفرها الآلات وحدها، وأن سر نجاحها الحقيقي يكمن في الخبرة المتراكمة والمحبة والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في الطعم والجودة.
وهكذا بقي مطعم شاهين للأكلات الشعبية أكثر من مجرد مطعم في مدينة مادبا، بل سجل حي يوثق أكثر من سبعين عاما من العمل المتواصل، وتجسيدا لقصة عائلة جعلت من الأكلات الشعبية مهنة وهوية ورسالة.
--(بترا)