الأخبار

اسماعيل الشريف : على حافة الانهيار كيف أفلست؟

اسماعيل الشريف : على حافة الانهيار كيف أفلست؟
أخبارنا :  

بطريقتين: تدريجياً، ثم فجأة- إرنست همنغواي، الشمس تشرق أيضاً.

رفع الكيان الصهيوني ميزانية ما يُعرف بـ«الدبلوماسية العامة» أي العلاقات العامة الدولية إلى نحو 730 مليون دولار، وهي الأعلى في تاريخه، وذلك في محاولة لتحسين صورته عالمياً، والتأثير في فئة الشباب، وممارسة الضغط السياسي عبر اللوبيات، إلى جانب تكثيف الحرب الرقمية والإعلامية لإقناع العالم بأن الكيان قويٌّ يخوض حروباً على جبهات متعددة وينتصر على أعدائه، وبأنه «واحة الديمقراطية والإنسانية» وسط عالمٍ من الغيلان.

لكن خلف هذه الدعاية الصاخبة، وتلك القوة والغطرسة المصطنعتين، يختبئ انهيارٌ كبير ينهش الكيان ببطءٍ وألم؛ دويلةٌ ومجتمعٌ يأكلان نفسيهما من الداخل.

لطالما سوّق الكيان نفسه بوصفه «معقل الشركات الناشئة»، وحاول تحويل شعوره الدائم بالتهديد الوجودي إلى قصة انتصار اقتصادي، لكن الحقيقة مختلفة تماماً؛ فهذه دويلة تتراجع على نحوٍ واضح، حيث ترتفع تكاليف المعيشة إلى مستويات خانقة، فيما تتآكل الطبقة الوسطى. وقد كشفت دراسة أعدّها معهد آرون للسياسة الاقتصادية في جامعة رايخمان، ونُشرت في التاسع والعشرين من الشهر الماضي، أن الكيان يُعدّ أكثر كلفةً من أغنى دول أوروبا بنسبة 21 %، نتيجة عقدين من السياسات الاقتصادية الفاشلة التي فاقمتها الحرب وزادت آثارها قسوةً وعمقاً.

ويُضاف إلى ذلك أن التصنيف الائتماني وصل إلى أدنى مستوياته في تاريخ الكيان، مع نظرة مستقبلية سلبية تعكس حجم التدهور الاقتصادي والمالي. فقد تجاوزت تكاليف حروبه 70 مليار دولار، في وقتٍ لم يعد فيه الكيان يمتلك الموارد الكافية لإنهاء الحروب التي أشعلها بنفسه.

ومنذ تشرين الأول 2023، هاجر نحو 8300 من أبرز العقول العاملة في قطاع التكنولوجيا، لينضموا إلى ما يقارب 69 ألف صهيوني غادروا البلاد خلال عام 2025 وحده. ويُعدّ قطاع التكنولوجيا شريان الحياة للاقتصاد الصهيوني، إذ يشكّل نحو خُمس الناتج المحلي وأكثر من نصف الصادرات.

وفي تقرير صادر عن كلية كولر للإدارة في جامعة تل أبيب، خلص الباحثون إلى أن الاقتصاد لن يكون قادراً على الاستمرار في الازدهار دون المعرفة والخبرات التي يحملها قادة قطاع التكنولوجيا الفائقة والرعاية الصحية، محذرين من أن «كل شيء سينهار» إذا استمر هذا النزيف البشري. وهذا ليس تشاؤماً عابراً أو رأياً هامشياً، بل تحذير اقتصادي متصاعد يصدر من قلب النظام نفسه.

ويُضاف إلى أزمات الكيان المتفاقمة صراعُ التجنيد الإجباري، الذي بات يكشف حجم الانقسام الداخلي والتصدّع المجتمعي. ففي مساء 29 نيسان 2026، استخدمت الشرطة القنابل الصوتية لتفريق محتجين من الحريديم كانوا يغلقون جسر الأوتار في القدس المحتلة رفضاً للتجنيد العسكري. وفي الليلة السابقة، اقتحم متطرفون حريديم ساحة منزل قائد الشرطة العسكرية في عسقلان بينما كانت عائلته داخل المنزل، في مشهد يعكس تصاعد التوتر والفوضى الداخلية.

وعلى أحدى الطرق السريعة قرب بني براك، أحرق المحتجون الأعلام «الإسرائيلية» وهم يهتفون: «نفضّل أن نموت كحريديم على أن نعيش جنوداً في الجيش». وكانت المحكمة العليا قد أشارت إلى أن ما بين 75 % و80 % من المتهربين من التجنيد هم من الحريديم، ومع ذلك يبقى تطبيق القانون أكثر صرامة على غير الحريديم، الأمر الذي يعمّق الشعور بالتمييز والانقسام داخل المجتمع الصهيوني.

وقد فشلت الحكومة في تنفيذ قرارات المحكمة المتعلقة بتجنيد الحريديم، ولم يعد الأمر مجرد خلافٍ سياسي عابر، بل تحوّل إلى تمزقٍ عميق في العقد الاجتماعي ذاته؛ بين مواطنين يُستنزفون وينزفون دفاعاً عن الدولة، وآخرين اختارت الدولة نفسها ألّا تطلب منهم حمل العبء ذاته.

وربما تكون أخطر المؤشرات الدالة على تراجع الكيان هي الارتفاع الحاد في معدلات الانتحار، بما يعكس حجم الانهيار النفسي الذي يضرب المجتمع والمؤسسة العسكرية معاً. ففي إحصائية صدرت أواخر الشهر الماضي، كُشف أن ما لا يقل عن عشرة جنود في الخدمة الفعلية أنهوا حياتهم منذ يناير، بينهم ستة خلال شهر أبريل وحده.

وفي الوقت نفسه، استقبل نظام الصحة النفسية هذا العام نحو نصف مليون مراجع، بينما ينتظر عشرات الآلاف الحصول على دورهم وسط فترات انتظار تتجاوز ستة أشهر، في مشهد يكشف ضغطاً نفسياً واجتماعيا غير مسبوق ينهش الداخل الصهيوني بصمت.

برأيي، لن ينتهي الكيان بانفجارٍ مفاجئ، بل بتآكلٍ بطيء ومتراكم يضغط على مجتمعٍ طفيلي لا تربطه بالأرض إلا المصالح والامتيازات والهبات؛ مجتمعٍ لم يُصمَّم أصلا لتحمّل الضغوط الطويلة والاستنزاف المستمر. وعندما تصمت المدافع يوما، سنجد أمامنا حالةً من الاقتتال الداخلي والانفجار المجتمعي العميق. تذكّروا ذلك.

مواضيع قد تهمك