الأخبار

فراس النعسان : زمن الخليج

فراس النعسان : زمن الخليج
أخبارنا :  

كان الهجوم الأميركي على إيران شبه محسوم. الطائرات جاهزة، والتصعيد بلغ ذروته، والمنطقة كلها تتعامل مع احتمال حرب واسعة تبدأ بضربة ولا أحد يعرف أين تنتهي. لكن ما أوقف المشهد قبل الانفجار لم يكن فقط حسابات واشنطن العسكرية، بل دخول دول الخليج بثقلها الكامل على خط الأزمة، وخصوصاً الإمارات وقطر والسعودية.

هذه ليست مجاملة سياسية للخليج، بل توصيف دقيق لما جرى. المنطقة دخلت مرحلة جديدة باتت فيها العواصم الخليجية قادرة على تعطيل قرارات كبرى، ليس عبر الضجيج الإعلامي، بل عبر النفوذ الحقيقي: الاقتصاد، الطاقة، العلاقات الدولية، والتأثير المباشر على استقرار العالم.

الأميركيون يعرفون جيداً أن أي حرب شاملة مع إيران لن تبقى داخل الحدود الإيرانية. المسألة لا تتعلق فقط بالصواريخ أو الردود العسكرية، بل بانهيار محتمل في أسواق الطاقة، وتهديد الملاحة، وارتفاع جنوني للأسعار، وفوضى اقتصادية عالمية. هنا تحديداً يظهر وزن الخليج. فالدول التي أصبحت مركزاً رئيسياً للطاقة والاستثمار والتجارة العالمية لا يمكن تجاوز موقفها بسهولة عندما يتعلق الأمر بحرب بهذا الحجم.

الأهم أن الخليج لم يتدخل هذه المرة من موقع الخوف، بل من موقع القوة. وهذا هو التحول الحقيقي في المشهد الإقليمي. قبل سنوات، كانت دول المنطقة تتحرك غالباً كرد فعل على الأزمات. اليوم، الخليج بات يصنع الإيقاع السياسي بنفسه، ويفرض حدود اللعبة على الجميع، بما في ذلك إيران.

طهران تدرك ذلك أكثر من غيرها. فإيران التي اعتادت لسنوات التعامل مع محيط مضطرب ومنقسم، تجد نفسها الآن أمام واقع مختلف تماماً. الخليج تغير بسرعة هائلة، اقتصادياً وسياسياً وحتى عسكرياً. هناك مشاريع عملاقة، مدن جديدة، استثمارات عالمية، وتحالفات تتوسع شرقاً وغرباً. هذا ليس مجرد نمو اقتصادي، بل بناء نفوذ طويل الأمد يجعل استقرار الخليج مصلحة دولية مباشرة.

لهذا السبب تحديداً تبدو إيران اليوم بحاجة إلى الجوار الخليجي أكثر من أي وقت مضى. أي حرب جديدة قد تدفع الاقتصاد الإيراني إلى مرحلة شديدة الخطورة، وقد تعيد البلاد إلى عزلة خانقة يصعب احتمالها داخلياً. وفي لحظة كهذه، لا يمكن لطهران تجاهل أن أقرب منافذ التهدئة السياسية والاقتصادية تمر عبر دول الخليج نفسها.

لكن من الخطأ فهم الموقف الخليجي باعتباره دفاعاً عن إيران. الخليج لا يتحرك لحماية المشروع الإيراني، بل لحماية المنطقة من الانهيار. هناك فرق واضح بين منع الحرب وبين تبني سياسات طهران. دول الخليج تدرك أن الفوضى المفتوحة ستضرب الجميع، وأن أي حريق كبير في المنطقة سيؤثر مباشرة على مشاريع التنمية والتحول الاقتصادي التي تعمل عليها منذ سنوات.

ما يحدث اليوم يكشف أيضاً أن مفهوم القوة في الشرق الأوسط تغيّر بالكامل. النفوذ لم يعد فقط لمن يرفع السلاح أكثر أو يملك الميليشيات الأكثر انتشاراً. القوة الحقيقية أصبحت لمن يملك الاقتصاد الأقوى، والعلاقات الأوسع، والتأثير الأكبر على حركة العالم والطاقة والاستثمار.

وهذا ما نجحت دول الخليج في بنائه خلال السنوات الأخيرة. بهدوء، ومن دون ضجيج أيديولوجي، تحولت إلى اللاعب الأكثر تأثيراً في المنطقة. ليس لأنها تريد الحرب، بل لأنها أصبحت قادرة على منعها.

في المقابل، تبدو إيران أمام معادلة صعبة. فهي لا تستطيع الذهاب إلى مواجهة شاملة، ولا تملك رفاهية تجاهل التحولات الكبرى التي حدثت حولها. الزمن الإقليمي تغيّر، والخليج لم يعد مجرد مساحة جغرافية مجاورة، بل مركز ثقل سياسي واقتصادي بات يفرض شروطه على شكل المنطقة ومستقبلها.

لهذا، فإن ما جرى خلال الساعات الماضية إشارة واضحة إلى أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها الحقيقي: زمن الخليج.

مواضيع قد تهمك