الأخبار

امل محمد أمين تكتب : ​قراءة في فلسفة الأدب الكردي وكنوز وثيقة باريس 1937: "الترموكى" وخاني في مرآة الاستشراق

امل محمد أمين تكتب : ​قراءة في فلسفة الأدب الكردي وكنوز وثيقة باريس 1937: الترموكى وخاني في مرآة الاستشراق
أخبارنا :  

​بقلم: أمل محي الدين الكردي
​بمحض الصدفة التاريخية التي تفتح أبواباً موصدة على التراث الإنساني، استعدنا اليوم وثيقة أدبية نادرة تتمثل في كتاب صدر بالعاصمة الفرنسية باريس عام 1937 بقلادة كاتبة فرنسية استشراقية، حيث لم يكن هذا الكتاب مجرد رصد أدبي عابر، بل كان جسراً معرفياً نقل عبقرية الشعر الكردي وفلسفته الوجودية إلى المحافل الدولية في وقت مبكر من القرن العشرين، واليوم نعيد قراءة هذه المادة وترجمتها بدسامة تحليلية تليق بمكانة الأدب الكردي لضمان مواءمتها مع ذائقة المثقف العربي والكردي على حد سواء وحمايةً لقيمتها التاريخية من الضياع، خاصة في ظل ما تطرحه الوثيقة من رؤية فلسفية مدهشة للشاعر "الترموكى" الذي يتجاوز النظرة السطحية للعيش ليصل إلى جوهر الكينونة عبر مفهوم "المنخل" الكوني الذي تسقط منه كل تفاهات الصراعات البشرية والمطامع المادية ولا يبقى عالقاً في ذاكرة الوجود إلا ثلاث حبات ذهبية هي الخير والرحمة والحب، وهي القيم التي صاغها الترموكى كعقيدة بقاء حين قال:
"الحياةُ مَنخلٌ.. هزّهُ بقوة!
لا يتبقى فيه إلا ثلاثُ حباتٍ:
الخيرُ، والرحمةُ، والحبُّ!"
داعياً الإنسان للاستمتاع باللحظة وشم الورود وتأمل الفجر كفعل صمود وجودي لاستشعار نبض القلب والجسم.
​وتنتقل بنا هذه الوثيقة الباريسية من التأمل الروحي الفردي إلى الوعي الجمعي للأمة حيث تبرز شخصية "أحمدي خاني" كأب روحي جعل من ملحمته "مم وزين" بياناً سياسياً وقومياً يطالب بالاستيقاظ من "النوم العميق" حين صدح متسائلاً عن كرامة أُمته:
"لو كان لنا مَلكٌ.. لو كان لنا تاجٌ
لكانت عملتُنا معترفاً بها، ولكان لنا عِزٌّ وجاه"
وهو الفكر الذي تلقفه شعراء التنوير والواقعية أمثال الحاج قادر كويي وجكر خوين وقدري جان وتيريج الذين نقلوا الشعر من قاعات التصوف التي برع فيها محمد الخاني إلى ساحات الوعي الاجتماعي جنباً إلى جنب مع أعلام مثل محمد كرد علي وحامد بدرخان، لتتشكل فسيفساء أدبية تجمع بين تعدد اللهجات ووحدة الروح حيث يبرز عمالقة المدرسة الكلاسيكية مثل ملا محمد جلي زاده ونجله ملا عبد الله، والشاعر المربي ملا عبد الله زيوةر، وفائق بيكس وأحمد مختار جاف كرسلٍ للكلمة التي تعكس معطيات الواقع، وصولاً إلى أنثروبولوجيا الوجدان الكردي الذي يرى في جبال كردستان وينابيعها "الأرض الموعودة" وفردوساً حقيقياً يُعاش في اللحظة الراهنة، تماماً كما جسدها المولوي في رؤيته العميقة للبصيرة حين قال:
"إذا قصرت عيناك عن الرؤية.. فعينُ الفؤادِ تكفي
عَينُ الوجهِ تُداوى.. أما جُرحُ قلبِي فليس لهُ دواء"
​إنني أضع هذه المادة التاريخية اليوم كما وردت في أصلها لتكون منارة للمثقفين والأدباء الكرد وغيرهم ولتبقى شاهدة حية على أن الكلمة هي الجسر الأقوى بين الحضارات، وفي كتاباتي دائماً أؤكد وأصر على أن اللغة لم تعد عائقاً في عصرنا الحالي فقد أصبحت لغة التواصل بين شعوب العالم سهلة جداً بفضل التكنولوجيا المتقدمة وثورة الذكاء الاصطناعي التي مكنتنا من كسر حواجز اللسان والوصول إلى جوهر الفكر الإنساني مهما اختلفت مشاربه، فالوقت قد جاء ليفتح ذراعيه بكل شوق لإثراء المشهد الأدبي والثقافي الوافد من لدن الشعوب الأخرى ناقلاً وناقداً ومساهماً في نشره وتطويره لعل هذا الكتاب وهذا الفكر يجد طريقه إلى قلب القارئ العربي ليدرك أن الأمة التي تقدس الجمال والحرية هي أمة عصية على النسيان.

مواضيع قد تهمك