عاطف أبوحجر : نهب الأفكار
عاطف أبوحجر
في زمنٍ أصبح فيه "الإبداع” يُقاس بسرعة الإنترنت لا بعمق الفكرة، لم يعد السؤال: كيف تكتب مقالًا جيدًا؟ بل: كم تبلغ سرعة اتصالك؟ ولم يعد الكاتب بحاجة إلى رأس… يكفيه إصبع؛ تضغط زرًّا، فينهال عليك نصٌّ مرتب كأنك قضيت عمرك بين الكتب، بينما أنت بالكاد قضيت دقيقة أمام الشاشة. هكذا اكتشف البعض سرّ العبقرية: لا تقرأ، لا تكتب، لا تتعب… فقط اطلب، لتجد نفسك فجأة "مفكرًا استراتيجيًا” بنصوص تُشعرك بالغربة عنها قبل غيرك.
وبين كاتبٍ يعاني ليصوغ جملة، وآخر يستدعي مقالًا كاملًا بكبسة زر، تضيع الحدود بين الجهد والجاهز؛ والمفارقة أن النص يبدو متماسكًا… أكثر من صاحبه. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في هذا الذكاء البشري الذي قرر التقاعد مبكرًا.
لم يعد الحبر يسيل من الأقلام بقدر ما تتدفّق الكلمات من لوحات المفاتيح. وأصبح الكاتب الحقيقي أمام مفترق طرق: إمّا أن يعتصر فكره، أو يفعل كما يفعل الكاتب المزيّف، ويمدّ يده بضغطة زرّ إلى "مخزن العجائب” الرقمي. وبين هذا وذاك، نشأت حالة طريفة تستحق التأمل… وربما قليلًا من السخرية.
نُشرت مؤخرًا مقابلة "بودكاست” مع أحد كبار الكتّاب، وتضمّنت سؤالًا حول مقالات "تشات جي بي تي”. وكان السؤال: "مقالات تشات جي بي تي… هل تكتشفها؟”
فجاء الردّ فورًا: "على طول طبعًا… واضحة من النص.”
ثم تابع المذيع بالسؤال: "هل هناك كتّاب من الأردن يستخدمون الذكاء الاصطناعي؟”
فأجاب الضيف: "كثير من المواد التي ترد إلينا نكتشف أنها ليست من أفكار أصحابها. يعني أنت بتعرف الكاتب من عنوانه، يجيك واحد يكتب لأول مرة نصًّا محكمًا، مشكّلًا، متماسكًا، فتقول: وين كان هاظ؟ ثم تكتشف أنه منقول من الذكاء الاصطناعي.”
وتابع المذيع بالسؤال الثالث: "هل أنت مع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي؟”
فأجاب: "نحن مع استخدامها، ولكن بطرق ووسائل مشروعة.”
إلى هنا انتهت الأسئلة والأجوبة، وأقترح هنا — وقبل نشر أي مقال — إخضاع هؤلاء الدخلاء من لصوص النصوص لـ"جهاز كشف الكذب”، وتوجيه أسئلة لهم، منها:
كم كانت علامتك في امتحان التوجيهي في اللغة العربية؟ وكم خطأً إملائيًا ارتكبت في موضوع الإنشاء؟ ما جمع كلمة "لطش”؟ وما جمع كلمة "القسطنطينية”؟ اذكر الأحرف الأبجدية بطريقة عكسية. وكم تستغرق كتابة مقال عن "باسورد فتح مضيق هرمز”؟
يبدو أن "الكاتب العصري” قد تطوّر بصورة مذهلة؛ فلم يعد يحتاج إلى قراءة ولا إلى معاناة، بل يكفيه أن يكتب جملة خجولة، ثم ينتظر الوحي الرقمي ليأتيه بنصّ مرتب ومنمق… لدرجة تجعله يشك في نفسه.
المفارقة ليست في استخدام الأدوات، بل في تلك القفزة الخارقة من طالب يخطئ في أبسط الكلمات، إلى كاتب يرصّ الجمل بإتقان مفاجئ. هنا لا تحتاج إلى ناقد، بل إلى تفسير لهذه الطفرة.
ربما نحتاج إلى جهاز كشف كذب يستطيع التمييز بين "كاتب حقيقي” و"كاتب بالواي فاي”. يسأل مثلًا: كم مرة ترددت قبل كتابة جملة؟ فإن كانت الإجابة: "ولا مرة”، فالقصة واضحة.
أما الأسئلة من نوع: "ما جمع كلمة لطش؟” فهي كفيلة بإعادة التوازن، حيث يقف البعض حائرًا أمام بساطة تكشف الحقيقة من عنوان المقال قبل قراءته.
ويبقى السؤال الأهم أمام المرآة: "لماذا أفعل هذا؟”
لأنه السؤال الوحيد الذي لا يمكن الهروب منه، ولا يمكن لأحد أن يجيب عنه بدلًا منك. في النهاية، ليست المشكلة أن الآلة تكتب، بل أن بعض البشر توقفوا عن المحاولة. قد يمنحك الذكاء الاصطناعي نصًّا جميلًا، لكنه لا يمنحك تجربة ولا ذاكرة ولا روحًا؛ فالكاتب الحقيقي لا يُعرف بفخامة الجملة فقط، بل ببصمته التي لا يستطيع أي برنامج تقليدها بالكامل. فالكتابة ليست استعراض كلمات، بل أثر إنسان، ومن يختصر الطريق دائمًا قد يصل إلى النص… لكنه لا يصل أبدًا إلى معنى أن يكون كاتبًا.