د. محمد صبحي العايدي : الثورة الإيرانية والإسلام السياسي (2): الحاكمية والإمامة
حين نقترب من سؤال الحاكمية فإننا نلامس نقطة التوتر العميقة في فكر الإسلام السياسي سواء السني أوالشيعي، فنحن هنا لا نتحدث عن مصطلح فقهي، بل نتحدث عن إيديولوجيا إدارة الواقع السياسي من منظور عقدي، وتوظيف التاريخي في بناء سردية، لإضفاء الشرعية على هذه المفاهيم لفتح باب الصراع الدائم، فالقضية ليس سؤال: هل الحكم لله؟ فليس هذا محل النزاع عند المسلمين، وإنما السؤال: كيف تربط هذه المفاهيم بالاعتقاد، وبسرديات مؤدلجة، ثم تتحول إلى واقع ثوري؟
لقد صاغ سيد قطب مفهوم الحاكمية بوصفة امتداداً للتوحيد، فنقل المسألة من
كونها مسألة فقهية في المذهب السني، إلى كونها مسألة عقدية (إيمان وكفر)،
وجعلها معياراً للحكم على الواقع، غير أن هذا التقرير الذي يبدو في ظاهره
نقاء عقدياً، تحول في سياقه السياسي إلى منطق ثوري، يعيد تعريف الشرعية،
ويسحب ما هو عقدي على ما هو عملي وسياسي، ويدخله في دائرة الصراع والسلطة.
لكن الإشكال لم ينشأ من قوة الفكرة، بل من خطورتها، حيث جعل الأنظمة
السياسية الحديثة، والمجتمعات التي تحيط بها في دائر الكفر والجاهلية، وهنا
وقع الانزلاق المنهجي، إذ تم النظر إلى الشريعة من حيث مصدرها الإلهي
المطلق، مع إغفال أنها لا تفهم ولا تطبق إلا عبر عقل اجتهادي إنساني، يتأثر
بالزمان والمكان والسياق، فخلط بين المرجعية وفهمها، وأعطاهما نفس الحكم.
فمسائل السياسة والحكم في المذاهب السنية تقع في دائر الظن والاجتهاد
الفقهي والمقاصدي، وقد تقرر في الشريعة: أن المجتهد إن أصاب فله أجران، وإن
أخطأ فله أجر، وهو تقرير عميق يسقط فكرة العصمة عن الفهم البشري، ويجعل
التعدد جزءاً من بنية أحكام الشريعة لا انحرافاً عنها، غير أن خطاب
الحاكمية الذي أسس له سيد قطب في كثير من مراحله، جعله مشابهاً إلى حد كبير
بمسألة الإمامة عند الشيعة، حيث ربطها بالتوحيد وأصول الدين، وهذا ما جعل
كبار منظري الثورة الإيرانية كـ"علي خامنئي" يترجمون كتبه، ككتاب "معالم في
الطريق" وكتاب "في ظلال القرآن" وغيرها، فهي تحمل في طياتها "منهجاً
ثورياً" حيث تم استيعاب مفاهيم الحاكمية والجاهلية والطليعة، لتصبح جزءاً
من البنية النظرية للثورة الإيرانية، وإعادة إنتاجها داخل السياق الشيعي.
ومن المعلوم أن فكرة الإمامة أو الحاكمية في المذهب الشيعي تعد من أصول
التوحيد بخلاف المذهب السني، فوجود الإمام المعصوم جزء أصيل من الفكر
الشيعي، بنوا عليه الأحكام الحياتية والسياسية، ولكن ما فعله الخميني هو
أنه أعاد بناء مفهوم الإمامة عبر نظرية "ولاية الفقيه"، فبدلاً من انتظار
الإمام الغائب منح الفقيه سلطة تمثيله، جامعاً بين الدين والسياسة في يد
واحدة، وهنا لم تعد الإمامة أصل عقدي نظري، بل تحولت إلى نظام حكم فعلي بيد
"الفقيه".
هذا التقاطع يكشف أن الإشكال ليس مذهبياً بقدر ما هو بنيوي يتعلق بمركزية
السلطة، واحتكار تفسير النص، وتديين الشرعية السياسية، ولقد نشأ هذا الربط
الحاد بين التوحيد والحكم السياسي، في سياق تاريخي مأزوم، حيث واجهت
الحركات الإسلامية المغلقة أنظمة جديدة من الحكم السياسي، مما جعلها تنظر
إليها على أنها فاقدة للشرعية، فبحثت عن مرجعية مطلقة تواجه بها هذا
الواقع، ولم تجد صيغة أفضل من مصطلح "الحاكمية"، كما فعلت الخوارج في
خروجها على الخليفة علي بن أبي طالب ومقاتلته، بحجة أنه خرج عن حكم الله،
وهكذا تحولت "الحاكمية" إلى سلاح مفاهيمي لنزع الشرعية عن المخالف، وإعادة
بناء السلطة على أسس اليقين المطلق، حتى في مجال ما هو اجتهادي ونسبي، مما
أفقدها المرونة، وحول الخلاف فيها إلى صراع على الدين ذاته.
وفي هذا السياق انعكست مفاهيم الحاكمية، على مشروعية القوانين الحديثة،
بدعوى أنها من صنع الإنسان، غير أن النظر المقاصدي يكشف أن هذه الثنائية
متوهمة، فالشريعة تركت تفاصيل الحياة للاجتهاد المنضبط، بما يعرف بالمصلحة
المرسلة، ومنطق "ما سكت عنه الشارع" و" العرف والعادة"، وهي المساحة التي
تتحرك فيها القوانين بما يحقق العدل، ويحفظ الحقوق، والنفوس، والأموال، بل
إن الاجتهادات الحياتية المعاصرة في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع
وغيرها، تندرج تحت حكم الله بغلبة الظن، مادامت منضبطة بمقاصده.
*باحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد