د. عبير مصلح : بين فيتو الكبار وقانون البحار: هل سقطت شرعية الملاحة الدولية في مياه الخليج
يواجه النظام القانوني الدولي في مياه الخليج إختباراً هو الأصعب منذ عقود حيث يطل مضيق هرمز على العالم اليوم ليس بوصفه أحد أهم ممرات الاقتصاد في العالم , بل كساحة مفتوحة لصراع القوى الجيوسياسية يهدد استقرار التجارة العالمية , فالممر الذي طالما استمد ديمومته تاريخيا و شكلت الاتفاقيات الدولية و المعاهدات درعاً واقياً للإستقراره , بات اليوم يجد نفسه رهينة لتصعيد عسكري و سياسي محتدم , حول معه النصوص التشريعية القانونية الى مجرد نصوص مجردة من نفوذ التطبيق الفعلي في مواجهة منطق المواجهة المسلحة بين الأقطاب الاقليمية و الدولية .
هذا المشهد الراهن اليوم قد يبدو أزمة عابرة في ظاهره و لكنه يشكل في واقعه خلل بنيوي عميق في أركان المنظومة القانونية الدولية أصابها في مقتل , لنقف اليوم وسط عجز الفيتو الذي يشل مجلس الأمن من جهة و بين التفسيرات المتباينة لحقوق السيادة و العبور و التي باتت رهينة للتجاذبات السياسية من جهة أخرى .
وهنا تبرز التساؤلات الجوهرية التي تضعنا أمام إستحقاق قانوني يفرض وجوده بقوة في هذا السياق : هل لا يزال " قانون البحار " الذي توافقت عليه الأمم يمتلك سلطة التوجيه في مياه تتقاذفها الأمواج السياسية ؟ أم أننا دخلنا نفقاً من الفراغ القانوني تراجع فيه منطق الحقوق أمام حق القوة و أطاح بمؤسسات النظام العالمي التي فقدت بوصلتها القانونية عند أول منعطف للمصالح المتضاربة .
يعد مضيق هرمز في عرف القانون الدولي مضيقاً دولياً بامتياز يخضع حصرياً لأحكام غتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ( 1982 ) وتحديداً المادتين ( 37 ) و ( 38 ) , حيث تعتبر الدرع القانوني لحرية الملاحة التي كفلت " حق المرور العابر " كحق مطلق لا يقبل التعليق , ومع ذلك برزت في الحرب الدائرة العديد من المحاولات لزعزعة هذه الضمانة القانونية عبر فرض وشرعنة واقع قانوني موازٍ – بشكل قسري و مضلل – لقياس مضيق هرمز ببروتوكولات تاريخية كمعاهدة مونترو لعام 1936 المنظمة للمضائق التركية كالبسفور و الدردنيل , هذا القياس الذي يغفل حقيقة أن " مونترو " تمثل إستثناءاً تاريخياً لإتفاقية خاصة بينما يظل مضيق هرمز تحت مظلة القانون العام للبحار , فكان الهدف من هذا القياس تسييس القوانين بهدف انتزاع حق سيادي يتيح إغلاق هرمز و التضييق على السفن عبر عسكرة المضيق , و كذلك تفريغ حق المرور العابر من محتواه في محاولة لإستبدال " عالمية الممرات " ب " إقليمية المصالح " مما يضع أمن الملاحة العالمية في مهب الريح نتيجة الفراغ التنفيذي و غياب الضمانات الدولية.
بيد أن هذا التلاشي للضمانات الدولية هو النتيجة الحتمية لتحول منصة الشرعية في مجلس الأمن من جهة ضامنة لتطبيق القوانين الدولية الى ساحة للمبارزة السياسية ومسرحاً لتصفية الحسابات السياسية بين الأقطاب الكبرى ( واشنطن – موسكو و بكين ) , مما جعل مجلس الأمن مظلة مخترقة.
فالملاحة في مياه لم تعد محمية ب " قوة القانون " الذي توافق عليه الجميع , بل أصبحنا أمام واقع جديد تقاس فيه سلامة المرور بمدى قوة التحالف الذي تتبعه السفينة , مما يكرس واقع الفوضى القانونية التي تعتمد في مبادئها على الولاءات بعيداً عن أي ضوابط تشريعية ملزمة أدت الى زعزعة الثقة في النظام العالمي ككل.
وفي ذات السياق فان سقوط الشرعية الدولية في مياه الخليج لا يعتبر أزمة سياسية تقليدية انعكست على حركة الملاحة , بل أحدثت إنقلاباً في القواعد التقليدية للمشهد الاقتصادي العالمي وفق أسس تتجاوز منطق العرض و الطلب الكلاسيكي.
فمضيق هرمز يمثل الشريات الأبهر للاقتصاد العالمي و الذي يعبره نحة 21 مليون برميل نفط يومياً ( أي ما يعادل 20% من الاستهلاك العالمي ) يعيش اليوم حالة من " إعادة الهيكلية القسرية".
غياب الضمانات القانونية لم يرفع الأسعار فحسب يل أحدث تحولاً في سكيولوجية التسعير العالمية حيث أضحى " البرميل الفوري " هو الملاذ الآمن للمشترين في وقت تواجه فيه سلاسل التوريد خطر التوقف المفاجئ مقابل تراجع أهمية العقود الآجلة.
وذلك و بحسب توصيف المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية :" إن خسارة الامدادات العالمية تجاوزت 12 مليون برميل يومياً محذراً أن التعافي لن يكون سريعاً لأن إعادة تشغيل التدفقات تعتمد على الشحن و التأمين بقدر إعتمادها على الانتاج".
هذا الواقع الذي تجسد في ظل غياب اليقين القانوني فرض تغييراً في مسارات التوريد الطاقة العالمية نحو المحيط الأطلسي و غرب إفريقيا , كبدائل استراتيجية تعد مصادر أكثر أماناً من الممرات الشرقية المضطربة.
ولم تكن كلفة هذا التحول الجغرافي مقتصر على زيادة المسافات فحسب, بل تجسد في فاتورة " التأمين البحري " فقد سارعت لجان التأمين و على رأسها شركات التأمين البريطانية الى تصنيف المضيق كمنصة " خطر ملاحي " مما أدى الى إحداث شلل في سلاسل التوريد .
هذا الارتفاع الجنوني في كلف التأمين ما هو الا ضريبة مباشرة لغياب الارادة الدولية في تطبيق القانون الدولي , وهي ضريبة انعكست بدورها على كلف استيراد السلع الأساسية و المواد الغذائية , أدت الى ارتفاع أسعار الغذاء و الطاقة لتكون الأزمة قد تحولت من صراع نقود الى أزمة معيشة عابرة للحدود طالت المستهلك في كافة أنحاء العالم .
وإستناداً الى هذا المشهد العالمي القاتم يطرح هنا سؤالاً ملحاً حول تبعات هذا المشهد على واقع الإقتصاد في الاردن , ليضع الإقتصاد أمام اختبارات صعبة تفرضها تداعيات " تسييس الممرات " فالاردن كدولة تعتمد على الاستيراد لتأمين طاقتها و سلعها الأساسية و في ظل هذا النظام الملاحي المتغير يظل الحل في توفير وبناء استراتيجيات " التحوط اللوجستي " التي تعتمد على تنويع مصادر الاستيراد و تقليص الاعتماد على المسارات البحرية المهددة بالتوازي مع تعزيز سعات التخزين الاستراتيجية للحبوب و المشتقات النفطية.
ومع توسع دائرة النزاعات حول مضيق هرمز لم يعد الأردن يملك ترف الانتظار حتى تنجلي غبار الصراعات حول المضائق لذلك يقتضي على الدولة التحرك وفق النمو الشامل الذي يركز على مسارين متكاملين , المسار الأول يتجسد في المسار القانوني الدولي , حيث تسعى الاردن من خلال ثقله الدبلوماسي بقيادة جهد دولي للضغط نحو إيجاد ضمانات دولية لتحييد الممرات المائية عن الصراعات السياسية و منع استخدام المضائق كأوراق ضغط عسكري .
أما المسار الآخر فيقوم على فلسفة " تقليل الاعتماد على المجهول " من خلال بناء مخزونات استراتيجية عملاقة و تدشين خطوط إمداد برية و سككية توفر مرونة عالية في الاستيراد و التصدير حيث أصبح البحث عن بدائل لوجستية ليس فقط خياراً تنموياً بل ضرورة قصوى لتضمن تحصين الاقتصاد الوطني من خلال بناء منظومة أمن غذائي و طاقي و لوجستي قادر على إمتصاص الصدمات بعيداً عن تقلبات السياسة التي باتت تعصف بالنظام العالمي .
وفي نهاية المطاف فإن ما شهده مضيق هرمز يعكس عجز المنظومة الدولية عن حماية مكتسباتها التشريعية و هذا يعد جرس انذار ينبئ بتصدع العقد الاجتماعي الدولي الذي صاغته الأمم عقب الحروب الكبرى فاذا ما استمر تقديم " منطق القوة " على " منطق قوة القانون " فان العالم يندفع نحو حقبة من الفوضى الأمنية , لن يقتصر آثارها على الدول الساحلية فحسب بل ستطال كل الدول في العالم بلا استثناء , لتحول معها أزمة الملاحة الى أزمة رغيف تطرق أبواب البيوت في كل أصقاع الأرض .
أما بالنسبة للأردن فإن النجاة من هذه العواصف لا تكمن في انتظار استعادة النظام العالمي لبوصلته القانونية , بل من خلال بناء سيادة لوجستية وطنية آمنة بالتوازي مع جهود دبلوماسية وطنية تسعى الى دعوة المجتمع الدولي و الضغط عليه للعودة الى الشرعية الدولية كخيار لا بديل عنه بوصفه حجر الزاوية في استقرار دول العالم .