د. دانيلا عدنان القرعان : الإساءة للأردن.. الاستهداف والتوقيت
في كل مرة تشتد فيها الأزمات من حولنا، ويغلي الإقليم على وقع الحروب والصراعات، يظهر فجأة سيلٌ من الإساءات، والشائعات، والحملات المنظمة التي تستهدف الأردن، كأن هذا البلد أصبح هدفاً بحد ذاته، لا لأنه طرف في النزاعات، بل لأنه اختار أن يكون واحة استقرار وسط بحرٍ مضطرب.
وليس أدلّ على أن هذا الاستهداف مقصود، الأرقام والوقائع التي تكشّفت مؤخراً؛ إذ تم رصد مئات الشائعات خلال فترات التصعيد في المنطقة تجاوزت 244 شائعة خلال فترة قصيرة، توزعت بين أخبار مفبركة عن انفجارات داخل الأردن، وأخرى عن نقص الغذاء والطاقة، وادعاءات بإغلاق مؤسسات وتعطّل الحياة اليومية. هذه ليست مجرد أخبار كاذبة، بل حرب نفسية تستهدف بث القلق وضرب الثقة داخل المجتمع، بل إن بعض هذه الحملات لم تكتفِ بالشائعات، بل لجأت لتضليل ممنهج باستخدام صور وفيديوهات قديمة على أنها أحداث جارية، كما حصل عند تداول صور مهربين على أنهم عناصر أجنبية تتسلل إلى الأردن، وهو ما ثبت زيفه. في حادثة أخرى، تم نشر مقاطع قديمة على أنها احتجاجات حديثة بهدف تأجيج الشارع وإظهار الأردن وكأنه يعيش حالة فوضى. ولا تقف المسألة عند حدود الشائعات، بل تتعداها إلى حملات منظمة عبر منصات التواصل، تستخدم حسابات وهمية ومصادر خارجية لبث روايات مضللة وتشويه صورة الأردن سياسياً، واتهامه بأدوار غير صحيحة في صراعات الإقليم. هذه الحملات، كما يؤكد مختصون، تأتي بسبب موقع الأردن الجيوسياسي ومواقفه الثابتة؛ ما يجعله هدفاً لمحاولات زعزعة الاستقرار الداخلي.
وفي خضم هذه العواصف، يبقى السؤال: لماذا الأردن تحديداً؟
الجواب ببساطة، لأن الأردن نجح فيما فشل فيه كثيرون، لقد استطاع، رغم محدودية موارده، أن يحافظ على استقراره، وأن يبقى متماسكاً في منطقة تتفكك فيها الدول. وهذا النجاح، في نظر البعض، ليس ميزة بل «مشكلة» يجب كسرها، أو على الأقل التشكيك بها.
يغيب عن أصحاب هذه الحملات أن الأردن ليس دولة طارئة، ولا مجتمعاً هشاً؛ لأنه بلد تأسس على وعيٍ عميق وتراكم من التجارب وقيادة تعرف كيف تدير الأزمات بعقلانية واتزان، وقد أثبتت المؤسسات الرسمية، خاصة في الأزمات الأخيرة، قدرة عالية على الاستجابة السريعة وتقديم المعلومات الدقيقة؛ ما ساهم في الحد من تأثير الشائعات وتعزيز ثقة المواطنين، والأهم من ذلك، أن الرهان الحقيقي كان ولا يزال على الإنسان الأردني، هذا المواطن الذي أثبت، مرة بعد مرة، أنه أكثر وعياً من أن يُخدع، وأكثر حرصاً من أن يسمح بتمرير الفتن، فكلما اشتدت الحملات، ازداد تماسك الجبهة الداخلية، وارتفعت مناعة المجتمع.
إن استهداف الأردن ليس حدثاً عابراً، بل جزء من مشهد إقليمي معقّد، تُستخدم فيه أدوات الإعلام والتضليل كما تُستخدم الأسلحة في الميدان، لكن الفرق أن الأردن، بقيادته وشعبه، يدرك طبيعة هذه المعركة، ويعرف كيف يواجهها، وسيبقى الأردن، رغم كل ما يُحاك ضده، عصياً على الاختراق، ثابتاً كصخور رم، راسخاً كجذوره في التاريخ، وستبقى كل محاولات الإساءة، مهما تنوعت، مجرد ضجيج عابر، يتكسر على وعي الأردنيين، وحكمة قيادتهم الهاشمية، وإيمانهم بأن هذا الوطن أمانة لا تُفرّط. ــ الدستور