الأخبار

د. خالد الشقران : الحصار.. من يتحمل الألم أكثر؟

د. خالد الشقران : الحصار.. من يتحمل الألم أكثر؟
أخبارنا :  

يشكل الحصار الأمريكي على إيران -بالإضافة إلى كونه أداة ضغط تقليدية ضمن أدوات السياسة الخارجية- تعبيرا مكثفا عن صراع إرادات مفتوح تتداخل فيه الحسابات الجيوسياسية مع رهانات الاقتصاد والأمن الإقليمي، فالحصار في جوهره يعكس محاولة منظمة لإعادة تشكيل سلوك إيران عبر استنزاف قدرتها على المناورة، وتقليص هوامشها المالية، ودفعها نحو إعادة حساباتها في ملفات تعتبرها جوهرية في مشروعها الإقليمي وتعد أولوية في حسابات واشنطن.

تنبع أهمية هذا الحصار من كونه يستهدف البنية العميقة للاقتصاد الإيراني، حيث يطال قطاع الطاقة، وشبكات التمويل، وسلاسل التوريد، ما يضع الدولة أمام اختبار قاس يتعلق بقدرتها على التكيف والصمود، وفي المقابل، يكشف هذا المسار عما قد يبدو أنه إدراك أمريكي بأن المواجهة المباشرة عالية الكلفة وغير مضمونة النتائج، ما يدفع نحو اعتماد أدوات ضغط طويلة النفس، تراهن على الزمن كعامل حاسم في تفكيك مراكز القوة الداخلية، وهي نفس الاستراتيجية التي اتبعتها واشنطن في إنهاك العراق وتفكيك عناصر قوته.

الدلالات السياسية لهذا الحصار تتمثل في قيام واشنطن من خلاله بتمرير رسالة إلى الإقليم مفادها أن إعادة رسم التوازنات تمر عبر بوابة الاقتصاد بقدر ما تمر عبر الأمن، كما يعكس الحصار سعيا لتقييد النفوذ الإيراني في مساحات متعددة، من خلال تقليص الموارد التي تغذي هذا النفوذ، وبالتالي إعادة ضبط معادلات القوة في المنطقة دون الانخراط في مواجهة شاملة.

أما على المستوى الاستراتيجي، فإن الحصار يكشف عن نمط متكرر في إدارة الصراعات الكبرى، يقوم على تحويل الاقتصاد إلى ساحة اشتباك موازية، حيث تصبح العملة والتجارة والاستثمار أدوات ضغط لا تقل تأثيرا عن الأدوات العسكرية، هذا التحول يعيد تعريف مفهوم القوة، ويمنح الدول الكبرى قدرة على إحداث أثر عميق دون إطلاق رصاصة واحدة، مع إبقاء هامش التصعيد مفتوحا عند الحاجة.

في هذا السياق، يبرز السؤال الجوهري حول طبيعة هذا الحصار: هل هو مجرد أداة ضغط مرحلية أم أنه مراهنة طويلة الأمد على من يتحمل الألم أكثر؟ الواقع يشير إلى أن الحصار يحمل في طياته رهانا مزدوجا؛ فمن جهة، تراهن الولايات المتحدة على أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة ستؤدي إلى إنهاك الداخل الإيراني، سواء على مستوى الدولة أو المجتمع، بما يفرض تغييرات في السلوك السياسي، ومن جهة أخرى، تراهن إيران على قدرتها التاريخية في امتصاص الصدمات، وتكييف اقتصادها مع القيود، وتوظيف الحصار كأداة لتعزيز خطابها الداخلي وتماسكها السياسي.

هذه المراهنة المتبادلة تفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين الاستنزاف الطويل الذي يرهق الطرفين، وإمكانية الانزلاق نحو تصعيد أكبر في حال فشل أدوات الضغط في تحقيق أهدافها، كما أن استمرار هذا النمط من الصراع يفرض كلفة إنسانية واقتصادية تتجاوز حدود الدولة المستهدفة، لتطال استقرار الإقليم ككل، خاصة في ظل ترابط الأسواق وسلاسل الإمداد.

في المحصلة، الحصار الأمريكي على إيران يمثل إجراء عقابيا وأداة استراتيجية تعكس طبيعة المرحلة التي يعاد فيها تشكيل موازين القوى عبر أدوات غير تقليدية، ويشكل في ذات الوقت اختبارا مفتوحا لإرادة الصمود لدى إيران، ولقدرة الولايات المتحدة على إدارة صراع طويل دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.

هذا المسار، مهما طال، يضع المنطقة في النهاية أمام استحقاق التفكير في بدائل تقلل من كلفة الصراعات المفتوحة، وتدفع نحو مقاربات أكثر توازنا تضمن الاستقرار وتحفظ المصالح، فالرهان على الألم كوسيلة لتحقيق الأهداف قد يطيل أمد الصراع، لكنه لا يصنع سلاما مستداما، الأمر الذي ينبغي أن يفرض تحركا سياسيا عقلانيا يعيد الاعتبار للحلول التي توازن بين القوة والمسؤولية، وتفتح نافذة نحو استقرار حقيقي قائم على التفاهم لا الصراعات والحروب والاستنزاف.

ـ الراي

مواضيع قد تهمك