د. محمد صبحي العايدي : المسجد الأقصى (1): الدين ومعادلة التغيير
ليست الإغلاقات التي تفرض على المسجد الأقصى مجرد إجراءات أمنية مؤقتة، بل هي لغة كاملة يعاد بها تشكيل الواقع، واختبار مركب لوعي الأمّة قبل القوة، فالأقصى ليس حجراً يحاط بأسوار، بل هو هوية الأمة وذاكرتها وكرامتها، وإذا اختلت هذه القيمة تهاوت الجغرافيا تباعاً، وما يجرى اليوم ليس أحداثاً متفرقة، وليس تخبطاً من الاحتلال، بل إدارة دقيقة للصراع، لتبقي الأقصى في حالة اللااستقرار، ويتحول مع الزمن من كونه وضعاً استثنائياً إلى أن يصير وضعاً طبيعياً، يعاد تشكيله ببطء تحت سقف منخفض من الردود، ويختبر في كل مرة إلى أي حد يمكن المضي دون أن يدفع الثمن؟
لا بد أن تكون معادلة التغيير واضحة لمواجهة هذا الصلف الصهيوني في المسجد
الأقصى، كثير من يتحدث عن إشعال حروب لمواجهة هذا التجاوز للخطوط الحمراء
لهذا المحتل، ولكن هل نملك نحن هذا الخيار الآن؟ وهل يمكن لأمتنا العربية
والإسلامية المتشرذمة أن تضع هذا الخيار ضمن معادلة التغيير؟، لا بد أن نضع
دائماً في معادلة التغيير ما يمكن أن يكون واقعياً يمكن تطبيقه وتنفيذه،
وأن نبني منظومة خيارات واعية ومناسبة للمرحلة الدقيقة التي تمر بها الأمة،
فليس مطلوباً منا في هذه المرحلة صداماً مباشراً ندفع نحن كلفته أكثر من
المحتل، ونتائجه غير مضمونة، بل قد تكون عكسية، صحيح أن الخيارات في معركة
القدس والمقدسات تبدو محدودة ولكنها ليست معدومة، وإذا أحسنا توظيفها يمكن
أن تؤتي أكلها.
ولذا فإن معركة الوعي بإمكاناتنا وقدراتنا هي معركتنا الأولى، ومن هنا تبدأ
معادلة التغيير، من فهمنا للواقع قبل الفعل، ومن إدراكنا أن الصراع ليس
على الأرض فقط، بل على قواعد اللعبة نفسها، فالعدو قد يجرنا إلى ميدانه
الذي يتقنه، ويختار الوقت المناسب له، وهنا نصبح نتحرك ضمن شروطه، لذا فإن
أهم شروط التغيير ليس فقط أن نمتلك القوة، بل أن نعيد تعريف ساحة القوة، أن
نستدرج خصمنا حيث نملك نحن عناصر الفعل، لا أن ننجرف إلى حيث يريدنا أن
نكون. ومن هنا يمكننا رسم معادلة المواجهة الحالية على أمرين:
الأول: المحافظة على الوضع الراهن للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، بناء على الوصاية الهاشمية.
والثاني: إعادة ضبط ميزان الكلفة فيه، فكل فعل يقوم به الاحتلال في المسجد
الأقصى من إغلاق أو منع أو تضييق، يجب أن لا يمر بوصفه إجراءاً عادياً، بل
بوصفه خطوة مكلفة يدفع أثمانها سياسياً وقانونياً وإنسانياً، لأن أخطر ما
يحدث في الصراعات الطويلة أن يمر الاعتداء دون كلفة.
ومن هنا فإن حفظ هذا الوضع يبدأ من السياسة لا من الشعارات، فنحن بحاجة إلى
ضغط ذكي ومتدرج، بحيث تتحول القدس إلى بند ثابت في كل علاقة، وأن ترتبط أي
تفاهمات سياسية ودولية بشرط عدم المساس بالوضع القائم في القدس، والضفة
الغربية على حد سواء.
ولكن السؤال الأكثر أهمية أين موقع الدين من معادلة التغيير؟
صحيح أن الدين هو مخزون الثبات، وهو الذي يمنح الإنسان القدرة على
الاستمرار، ولكن ليس المطلوب أن نشعل الشارع بالخطابات الدينية ثم نتركه
يبرد، ولا أن نحوله إلى موجة عاطفية تنتهي بانتهاء الحدث، فالدين في هذه
المعارك الطويلة ليس وقوداً لحظياً، بل هو الضامن لمسار طويل ضمن خيارات
متاحة.
وهذا يقودنا إلى حقيقة غالباً ما تغفل عنها التيارات الدينية، وهي أن
الجماهير لا يمكن أن تبقى وتعيش في حالة اشتباك دائم، ولذا فالتحدي ليس في
تحريكها، فهذا كل واحد يستطيعه، ولكن في تنظيم حركتها، وأن يعطى الناس
أشكالاً من النضال يمكن أن يستمر، لا أن يستنزف، وأن يتحول الحضور للأقصى
إلى فعل متجدد، والدعم إلى صورة يومية لا استجابة طارئة، فليس من الحكمة أن
نخوض معركة دفعة واحدة، ثم نفقد القدرة على الاستمرار.
وهنا تتجلى خطورة «الثورة المطلقة»، تلك التي ترفع سقف الفعل إلى حد يستحيل
معه تحقيقه، ثم تحاسب الواقع على عدم استجابته، هذه الحالة الثورية
المطلقة لا تحرك الصراع بل تجهضه، لأنها تخلط بين ما يجب أن يكون، وبين ما
يمكن أن يفعل، بينما معادلة التغيير تقوم على تراكم أفعال صغيرة تثبت ما
يمكن تثبيته، وتفتح مسارات جديدة بصبر ومنعة.
*باحث في الفكر الإسلامي
ــ الغد