الأخبار

رمزي الغزوي : الرصاص وقلم الرصاص

رمزي الغزوي : الرصاص وقلم الرصاص
أخبارنا :  

في اليوم العالمي لقلم الرصاص نتفاجأ أن تلك الأقلام الجميلية بريئة تماما من تهمة الرصاص، فهي لا تحتوي على أي ذرة من تلك المادة الثقيلة البليدة. الرصاص يسكن حشوات البنادق وعقول الطغاة والمستبدين، فيما ذلك القلم البسيط ليس سوى خشب يحتضن الجرافيت، ويمنحنا كلمات قابلة للمحو، وقادرة على البقاء.
الاسم ظل عالقا في الأذهان منذ زمن قديم، أي حين التبس الجرافيت بالرصاص، ربما بسبب اللون، بينما تعود كلمة PENCIL إلى أصل لاتيني يعني الأثر. فهو على ضعفه وصغره، قد يتحول إلى معنى عظيم، إذا ما حملته يد صادقة. والاسم عبقري حقا.
المفارقة أن الجرافيت نفسه كربون، وإذا تعرض لضغط شديد يتحول إلى ألماس، أصلب المواد وأقواها. ويمكن للكلمة أن تتحول إلى قوة هائلة إذا ما خرجت من ضمير حي. الأمر ليس بالأداة بقدر ما هو باليد التي تمسكها، والقلب الذي يوجهها.
أحدث هذا القلم ثورة كبرى منذ ظهوره في القرن السادس عشر، أي حين اكتشف الجرافيت في إنجلترا. ومنذ أن صمم كونراد جيسنر شكله الخشبي البديهي، وانتشر من بعد ذلك في أوروبا والعالم، ليكون أداة أساسية في التعلم والفن، ثم جاء نيكولاس كونتي ليطوره ويجعل منه أداة أكثر عملية، حتى من قبل أن تضاف إليه الممحاة تاجا يمنحنا فرصة البدء من جديد.
لربما أن تلك البساطة هي سر قوته. قلم يمكنه كتابة آلاف الكلمات، ورسم خطوط تمتد أميالا، ويعمل في ظروف قاسية حتى في الفضاء. ومع ذلك، يمكن إلغاء كلماته ليذكرنا أن الخطأ ليس نهاية بقدر ما هو بداية أخرى.
وبالمناسبة نتذكر حكاية الصانع الذي خاطب القلم قبل أن ينطلق إلى حياته: ستتعرض للبري المؤلم، لكن ذلك سيجعلك أفضل فلا تبتئس. وستخطئ، لكنك ستملك فرصة التصحيح. والأهم دائما أن قيمتك ليست في خشبك، بل في قلبك. الجوهر وحده ما يترك الأثر.
وسنتعلم اليوم أن أقلاما كثيرة فقدت وتفقد قيمتها حين تكتب تحت سطوة الضغط أو شهوة الألماس. تلك الأقلام لا يدوم أثرها، وإن ملأت الدنيا ضجيجا ردحا من الزمن. أما من يكتبون بقلوبهم فهم باقون.

مواضيع قد تهمك