د. منذر الحوارات : عدو عدوي ليس بالضرورة صديقي
الولايات المتحدة وإسرائيل تشنان عدواناً على إيران، لكن ردّ الأخيرة لا يتجه فقط إلى مصدره، بل امتد إلى ست دول خليجية والأردن، فقد استحوذت هذه الدول على جُل الضربات، رغم إعلان هذه الدول الصريح أنها لن تسمح باستخدام أراضيها ضد إيران، ومع ذلك، اعتبرتها طهران أهدافاً مشروعة فقط لأنها ترتبط بعلاقات أو تحالفات مع الولايات المتحدة، في انتهاك واضح لحق الدول في تقرير خياراتها السيادية، هذه هي المفارقة الأولى، أما الثانية، فهي الأخطر، وهي أن جزءا لا يمكن إنكاره من النخب العربية لم يكتفِ بتجاهل هذا الواقع، بل ذهب إلى تبريره، تحت شعار «عدوّ عدوّي صديقي»، وجرى تسويغ استهداف دول عربية، فقط لأن إسرائيل طرف في المواجهة مع إيران، وهذا ليس موقفاً سياسياً، بل تبسيط مخلّ يُسقط تعقيد الصراع في معادلة عاطفية لا تصمد أمام أي اختبار منطقي.
صحيح أن إسرائيل قوة احتلال، وأنها ارتكبت عدواناً شرساً على غزة، وهي طرف
مهم في العدوان الحالي، لكن هذه الحقائق لا تُنتج تلقائياً شرعية لأي فعل
مضاد، خصوصاً حين يكون موجّهاً نحو دول شقيقة، والقفز من إدانة إسرائيل إلى
تبرير ضرب دول عربية، ليس موقفاً مبدئياً، بل خلل في ترتيب الأولويات وفهم
الصراع، هذا النوع من الخطاب يعيد إنتاج أخطاء سابقة، لكنه اليوم أكثر
خطورة، وفي لحظة مفصلية، فبعض النخب تبرر الاعتداء على دول عربية لأنها
ترتبط بمصالح مع الولايات المتحدة، متجاهلة حقيقة بسيطة، هذه الدول لم
تعتدِ على إيران، ولم تكن طرفاً في المواجهة أصلاً، بل حاولت احتواء التوتر
والتعايش معه.
ومع ذلك فإن السؤال الأكثر جدلية، هل خدم نهج إيران القضية الفلسطينية فعلاً؟
وهي التي اختارت إدارة الصراع عبر الوكلاء، مستخدمة قوى غير دولتية في
لبنان وسورية والعراق واليمن، هذا النموذج منحها نفوذاً، لكنه أضعف الدول
المستهدفة، وحوّلها إلى ساحات مفتوحة للصراع، وعند لحظة المواجهة المباشرة،
لم تحمِ هذه الأذرع إيران نفسها، إذ انتقلت الضربات إلى الداخل الإيراني
مباشرة، أما النتيجة في العالم العربي، فهي واضحة، دول هشة، مؤسسات ضعيفة،
وانقسامات عميقة، وبالنسبة لفلسطين، فإن الحصيلة أكثر قسوة، انقسام داخلي،
تراجع سياسي، واتساع في السيطرة الإسرائيلية، وهنا لا يعود السؤال نظرياً،
هل كان هذا النهج داعماً للقضية، أم استثماراً فيها بما جعلها «كحصان
طروادة»؟.
بناءً على ذلك، فإن تبرير العدوان الإيراني على الدول العربية بحجة عدائها
لإسرائيل، ليس فقط موقفاً ضعيفاً، بل موقفاً خطيراً، لأنه لا يضر بالدول
المستهدفة فقط، بل يرتد مباشرة على القضية الفلسطينية نفسها، فعندما يُطلب
من شعوب أن تتفهم استهداف أمنها وسيادتها «من أجل فلسطين»، فإن النتيجة
الطبيعية ليست التضامن، بل تآكله، بينما يزيد التجييش العاطفي الأمور سوءا،
فهو يخلط بين مسارين مختلفين تماماً، صراع إيران مع الولايات المتحدة
وإسرائيل، واعتداء إيران على دول عربية، الخلط بينهما لا ينتج موقفاً
متزناً، بل موقفاً مضطرباً لا يمكن الدفاع عنه، فالموقف الواضح لا يحتاج
إلى تعقيد، لا يمكن تبرير الاعتداءات على إيران، لكن في الوقت نفسه لا يجوز
تحت أي ذريعة تبرير الاعتداء على الدول العربية، دعم فلسطين لا يكون عبر
انتهاك سيادة دول، بل عبر موقف يحمي هذه الدول ويدافع عن سيادتها والقضية
معاً.
تتعرض إيران إلى تدمير منهجي، لكنها ترد خارج ساحة المواجهة الحقيقية، وهذا
ليس خطئاً، بل خلل واضح ومقصود في تعريف العدو، وهذا يطرح سؤالاً أعمق، هل
تتحرك القيادة الإيرانية بمنطق الدفاع عن الدولة، أم بمنطق حماية النظام
مهما كانت الكلفة؟ وفي لحظةٍ كهذه، يبدو أن القيادة الإيرانية، وفي سعيها
للحفاظ على النظام، لا تُلحق الضرر بخصومها فقط، بل تدفع إيران نفسها نحو
مزيد من الاستنزاف، والدمار، وهنا تسقط المقولة الشائعة، «عدوّ عدوّي
صديقي»، بل ربما يكون عدوا للجميع، وحتى لنفسه.
بالتالي فإننا أمام لحظة لا تحتمل الالتباس، حماية سيادة الدول العربية
ليست اصطفافاً مع إسرائيل، وليست موقفاً ضد فلسطين، بل شرط لحماية الاثنين
معاً، لأن إضعاف الدولة العربية لا يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة، إضعاف القضية
التي تحتضنها.
في النهاية، تبقى الحقيقة التي يتم تجاهلها هي الأبسط، الدول العربية مهما
قيل ويقال، هي الحاضنة الفعلية للقضية الفلسطينية، وأي خطاب يبرر الاعتداء
عليها مهما كانت ذرائعه لا يخدم فلسطين، بل يضعفها في لحظة هي بأمسّ
الحاجة إلى العقلانية الشديدة لا الشعارات المهزوزة. ــ الغد