الأخبار

فراس النعسان : ميزان الردع الخليجي

فراس النعسان : ميزان الردع الخليجي
أخبارنا :  

تقف دول مجلس التعاون الخليجي اليوم أمام لحظة إقليمية لم تشهدها من قبل، حيث يتصاعد التوتر مع إيران وتتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة. لكن ما يميز الموقف الخليجي حتى الآن هو وضوح الرؤية في التعامل مع هذا التصعيد؛ فالعواصم الخليجية تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس مجرد تبادل للضربات العسكرية، بل الانجرار إلى حرب طويلة تستنزف المنطقة وتفتح أبواب عدم الاستقرار لسنوات.

تدرك العواصم الخليجية أن الصراع مع إيران لا يُدار فقط في الميدان العسكري، بل في حسابات الزمن والاستنزاف. فطهران، كما يرى كثير من المراقبين، لا تبحث بالضرورة عن معركة حاسمة سريعة، بل عن صراع طويل يرهق خصومها ويُدخلهم في دوامة من الاستنزاف المالي والعسكري والنفسي. في مثل هذا النوع من الصراعات، لا يكون الهدف إسقاط الخصم بضربة واحدة، بل دفعه تدريجياً إلى استهلاك موارده وإرباك استقراره.

من هنا يمكن فهم الحذر الخليجي الواضح في التعامل مع الاستفزازات الإيرانية. فالمعادلة بالنسبة لدول الخليج ليست مجرد رد على هجوم أو اعتراض صاروخ، بل منع انزلاق المنطقة كلها إلى حرب طويلة قد تمتد لسنوات وتنعكس آثارها على الاقتصاد العالمي، خصوصاً أسواق الطاقة التي تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي.

لكن الحذر لا يعني الضعف. فخلال الأيام الماضية، أظهرت أنظمة الدفاع الجوي الخليجية قدرة عالية على اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، في مشهد عسكري عكس تطوراً كبيراً في القدرات الدفاعية والتنسيق الأمني بين دول المنطقة. هذه الرسالة كانت واضحة: دول الخليج قادرة على حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في تحويل الرد الدفاعي إلى حرب شاملة.

اللافت في الموقف الخليجي أنه يجمع بين الردع والبراغماتية. فالدول الخليجية تدرك أن أمنها لا يُبنى فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً عبر شبكة معقدة من التحالفات الدولية والدبلوماسية النشطة والاقتصادات المستقرة. لذلك فإن إدارة الأزمة لا تتم فقط عبر غرف العمليات العسكرية، بل أيضاً عبر قنوات السياسة والحوار الدولي.

في النهاية، تبدو الحكمة الخليجية في هذه المرحلة قائمة على مبدأ بسيط لكنه عميق: منع الخصم من تحديد طبيعة المعركة. فحين يدفع طرفٌ ما نحو حرب استنزاف، فإن أفضل رد قد يكون أحياناً عدم منحه الحرب التي يريدها. بهذه المقاربة تحاول دول الخليج حماية استقرارها الداخلي والإقليمي، مع إبقاء ميزان الردع قائماً دون الانجرار إلى صراع طويل قد لا يخرج منه أحد منتصراً.

مواضيع قد تهمك