د. محمد عبد الحميد الرمامنة : عبقرية الوعي وسيكولوجية التحصين
لم تعد المنصات الرقمية فضاءً للتواصل بقدر ما تحولت إلى ميادين مفتوحة لإدارة الصراعات غير التقليدية، حيث تُهندس المعلومة كأداة لاختبار صلابة الجبهة الداخلية. تشير القراءة المتأنية لتوجهات مديرية الأمن العام الأخيرة إلى تحول استراتيجي في عقيدة الأمن الشامل؛ فالاستقرار الوطني اليوم لا يُصان فقط في الشارع الفيزيائي، بل في المجال الحيوي الرقمي للدولة. نحن أمام استحقاق سيادي يهدف لقطع الطريق على استراتيجيات تفتيت الرأي العام التي تسعى لتحويل التنوع الفكري الأردني إلى انقسام مجتمعي حاد يضر بالمصالح الوطنية العليا. في حرب السرديات الراهنة، تُستخدم الاشاعة المضللة كسهم موجّه لاختراق الوعي الجمعي، مما يفرض بناء منظومة وقاية وطنية تتجاوز الرقابة التقنية إلى التحصين المعرفي الشامل.
تفكيك المشهد الراهن يكشف أن الخطورة تكمن في سيكولوجية التلقي الانفعالي التي تسبق التفكير المنطقي. وهنا تبرز القيمة المضافة للخطط الوقائية التي تتبناها مؤسساتنا الأمنية؛ فهي تسعى لبناء مناعة وطنية تحمي المواطن من الوقوع في فخ التضليل. فالإشاعة الرقمية تعتمد تقنياً على الصدمة العاطفية لتعطيل مراكز النقد في العقل البشري، مما يدفع الفرد للمشاركة العفوية التي تخدم دون وعي منه أجندات تفكيكية مبرمجة. لذا، فإن الوقاية الحقيقية تبدأ من تفكيك بنية الخبر؛ فكل معلومة تفتقر للمصدر الرسمي أو السياق الزمني الصحيح هي لغم رقمي حتى يثبت العكس، وتحصين الداخل يتطلب عقلية ناقدة ترفض أن تكون صدىً لأصوات مجهولة وهمية تقتات على أزمات المنطقة.
حماية الأمن الاجتماعي في المملكة اليوم هي مسؤولية تشاركية حتمية، تفرض على كل مستخدم للمنصات الرقمية أن يتحول من متلقٍ سلبي إلى. شريكٍ في الوعي السيبراني المصلحة الوطنية تقتضي استبدال رد الفعل العاطفي بـ الاستجابة العقلانية؛ فاستقرار المملكة وسط محيط ملتهب هو نتاج وعي شعبي صلب ومؤسسات يقظة. هذه الثنائية هي المستهدفة اليوم بأكبر هجمة تزييف حقائق في التاريخ الحديث، مما يستوجب صرامة قانونية في الردع، يقابلها نضج فكري في الاستهلاك الإعلامي، لتبقى منصاتنا فضاءً للبناء المعرفي لا معاول لهدم النسيج الاجتماعي تحت ذريعة حرية التعبير المشوهة.
ولأن الوقاية الرقمية هي
السلاح ، فلا بد من تكريس ثقافة الاستقصاء التحليلي كنهج حياة لكل رواد
التواصل الاجتماعي. إن التحصين الفعلي يبدأ بتطبيق بروتوكول الثلاثين ثانية
الذهبية: وهي المهلة الضرورية للتوقف قبل ضغطة المشاركة او الاعجاب،
وتجاوز إغراء العناوين الصادمة للبحث عن جذر المعلومة ومقارنتها بالرواية
الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة. يعد التفكير التحليلي خط الدفاع الأول
عن أمننا القومي؛ فاسأل نفسك دائماً من المستفيد من زعزعة ثقتي بمؤسساتي
الآن؟ ومن هو المصدر الأصلي لهذا الخبر؟ إن استعادة سيادة الوعي تبدأ حين
يقرر المواطن بوعيه الفطري ، أن يكون سداً منيعاً يصون الحقيقة، ويحمي هيبة
الدولة، ويحفظ كرامة الوطن من عبث المضللين، ليبقى الأردن عصياً على
الاختراق، موحداً خلف ثوابته الوطنية الراسخة. ــ الراي