م. زيد خالد المعايطة : الإرشاد الوطني في زمن الاضطرابات... قراءة سلوكية في تكاتف المجتمع
خلال الأسبوع الماضي دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد العسكري، ووجد الأردن نفسه فجأة في قلب مواجهة عسكري إقليمية آخذة في الاتساع، فلم يعد الأمر مجرد متابعة لصراعات سياسية تدور في المنطقة بل شهدت البلاد هجمات جوية حقيقية مباشرة أعادت التذكير بأن التوترات الإقليمية ليست بعيدة، بل يمكن أن تقترب سريعاً من حدود الدول واستقرارها، ومن الطبيعي في مثل هذه الظروف ان تنتشر أخبار التصعيد وتصبح محور الحديث في البيوت وأماكن العمل والمدارس في مختلف أنحاء البلاد.
في مثل هذه الظروف لا تقتصر آثار الحروب على ساحات القتال فقط، بل تمتد إلى المزاج العام داخل المجتمعات القريبة من بؤر الصراع، فالقلق والتكهنات وحالة عدم اليقين قد تنتشر بسرعة بين الناس وأحياناً أسرع من المعلومات الدقيقة، ولهذا فإن استقرار الدول الواقعة في قلب التوترات الإقليمية لا يعتمد على الأمن والدبلوماسية وحدهما بل أيضاً على الطريقة التي يفهم بها المجتمع ما يجري حوله ويتعامل معه، وهنا تبرز اهمية التوجيه المعنوي والارشاد الوطني بوصفهما الجهد الذي تبذله المؤسسات والمجتمع للحفاظ على الثقة العامة والتماسك الاجتماعي والاستقرار النفسي في أوقات الأزمات.
ورغم أن هذا النوع من المصطلحات غالباً ما يُربط بالخطاب الرسمي في أوقات الحروب فإن معناه في الواقع أوسع بكثير، فالتوجيه والارشاد المعنوي يعكس الطريقة التي تتصرف بها الدولة والمجتمع في مواجهة حالات عدم اليقين وتعزز قيم الهدوء والمسؤولية والتضامن بدلاً من الخوف أو الانقسام.
وتقدم العلوم السلوكية تفسيراً مهماً لكيفية عمل هذه العملية، إذ تشير إحدى النظريات المعروفة باسم نظرية الأعراف الاجتماعية إلى أن الناس غالباً ما ينظرون إلى سلوك الآخرين من حولهم لتحديد الطريقة التي ينبغي أن يتصرفوا بها في المواقف غير الواضحة، فعندما يلاحظ الأفراد الهدوء والانضباط والتعاون داخل مجتمعهم تنتقل هذه السلوكيات بشكل طبيعي، أما عندما تسود الشائعات أو القلق أو الغضب في النقاشات العامة فإن هذه المشاعر قد تنتشر بالسرعة نفسها.
وتظهر أهمية التوجيه والارشاد المعنوي بشكل أوضح في أوقات عدم اليقين، فعندما تتسارع الأحداث وتكثر التكهنات يبحث الناس بطبيعتهم عن مصادر موثوقة تساعدهم على فهم ما يجري حولهم، وهنا يصبح وضوح الرسائل الصادرة عن المؤسسات وسلوك الشخصيات العامة وطريقة تناول الأحداث في النقاشات اليومية عوامل مؤثرة في تشكيل المزاج العام للمجتمع وفي توجيه ردود الفعل نحو الهدوء والمسؤولية.
ولهذا فإن التوجيه والارشاد المعنوي لا يقتصر على رسائل الطمأنة بل يقوم على مجموعة من العناصر التي تساعد المجتمع على التعامل مع حالة عدم اليقين بوضوح وثقة، ومن أهم هذه العناصر التواصل الموثوق حيث تزداد ثقة المواطنين بمؤسسات عندما تقدم لهم معلومات واضحة مقنعة ومتسقة تشرح ما هو معروف وما يزال غير واضح وما هي الإجراءات التي يتم اتخاذها لتأمين سلامتهم واستقرار دولتهم.
كما يمثل الاتساق بين المؤسسات عاملاً مهماً آخر لأن تضارب الرسائل يؤدي بسرعة إلى إضعاف الثقة وزيادة الارتباك، ويبرز عنصر ثالث يتمثل في القدوة الاجتماعية حيث يميل الناس في أوقات التوتر إلى مراقبة سلوك الآخرين من حولهم، فعندما تعمل المؤسسات بهدوء ويؤدي المهنيون واجباتهم بانضباط فإن هذه الإشارات تساهم في تشكيل المزاج العام للمجتمع.
ولا يعمل التوجيه والارشاد المعنوي على المستوى الوطني فقط بل يمتد عبر طبقات متعددة من المجتمع، فقد يحدد الخطاب الرسمي الإطار العام، فالمزاج الاجتماعي يتشكل في الواقع من خلال تفاعلات يومية مثل شرح المعلمين للأحداث الجارية لطلابهم بهدوء وقيام الآباء والأمهات بتفسير الأخبار لأبنائهم بطريقة متوازنة ومطمئنة، وتزداد أهمية ذلك عندما يتعلق الأمر بالأطفال والطلبة الذين يتأثرون بسرعة بما يسمعونه من أخبار أو شائعات، ولهذا يصبح من المهم أن تصل رسائل واضحة إلى المعلمين والأسر حول كيفية الحديث مع الصغار عن مثل هذه الأحداث دون تهويل أو إثارة للقلق.
وبهذا المعنى فإن المعنويات الوطنية تُبنى من آلاف الأحاديث الصغيرة التي تدور في البيوت والمدارس وأماكن العمل، وقد اعتمد استقرار الأردن عبر السنوات ليس فقط على قوة مؤسساته بل أيضاً على تماسك مجتمعه وقدرته على الحفاظ على التوازن الداخلي رغم الاضطرابات المحيطة به، وفي زمن الحروب الإقليمية تصبح المحافظة على هذا التوازن أكثر أهمية لأن حماية الثقة العامة وتعزيز الشعور بالمسؤولية المشتركة يظلان من الأسس الهادئة لقوة الدول واستقرارها.
- باحث في العلوم والسياسات السلوكية
ــ الراي