رمزي الغزوي : أسطرة الذكاء الاصطناعي
في كل عصر يصنع الإنسان صورته على هيئة أسطورة، وبعدها يقف أمامها متأملا، خائفا، ومفتونا في آن. هكذا فعل حين نحت آلهته من حجر، وحين أطلق البخار في عروق المصانع، وحين شقّ الذرة فاكتشف هشاشته. واليوم يعيد الحكاية بطريقة أكثر دهاء. يصنع عقلا من نبضات رقمية، وينفخ فيه من بياناته، ثم يتراجع خطوة ليسأل نفسه: من هذا الذي يتكلم باسمي؟
الذكاء الاصطناعي ليس جهازا جديدا يضاف إلى رفوف التقنية. يبدو لي لحظة فلسفية مكثفة يختبر فيها الإنسان حدود صورته عن ذاته. أو كأنه حلم قديم لنفهم التفكير، ونفككه، ونعيد تركيبه في هيئة يمكن تشغيلها وتطويرها وتسويقها. وحين تحقق الحلم جزئيا اكتشفنا أن السؤال أكبر من الإجابة.
تغرينا الوعود. معرفة فائقة، ذاكرة لا تخون، قدرة على التنبؤ، وإنتاج لا يمل. صورة براقة لعالم منظم بدقة الاحتمال. في هذه الصورة يتراجع الخطأ، يضيق هامش العشوائية، وتتسع مساحة السيطرة. غير أن التجربة الإنسانية لم تكن يوما معادلة حسابية. نحن نتعثر فننضج، نخطئ فنتعلم، نجهل فنبحث. في بطئنا سر تأملنا، وفي هشاشتنا سر جمالنا.
الآلة تعالج البيانات بكفاءة مذهلة. تجمع، تقارن، تستنتج. تعمل وفق منطق الإحصاء. أما الإنسان فيسكنه منطق المعنى. يسأل لماذا حتى حين يعرف كيف. يتورط في الحب، في الخسارة، في الحلم. لا يعيش وفق خريطة جاهزة، إنما يشق دربه في ضباب الاحتمالات. هنا تتجلى الفجوة العميقة بين محاكاة الذكاء وتجربة الوعي.
ومع ذلك، لا يمكن الهروب من حقيقة أن الخوارزميات صارت جزءا من نسيج أيامنا. هي التي تقترح ما نقرأ، ما نشاهد، ما نرغب فيه. تنظم تدفق الأخبار، تحدد أولويات السوق، وترسم ملامح الوظائف القادمة. شيئا فشيئا يتداخل قرارنا مع برمجته فينا. نظن أننا نختار، فيما نحن نتحرك داخل مسارات مرسومة بدقة.
لسنا أمام معركة بين إنسان وآلة. نحن أمام امتحان لوعينا بذواتنا. الذكاء الاصطناعي مرآة ضخمة تعكس طموحنا في السيطرة، وخوفنا من الفناء، ورغبتنا في الخلود المعرفي. يكشف ضعفنا كما يكشف قدرتنا على الابتكار. يربك تعريفنا للعمل، للإبداع، للقيمة.
قد تكون أعظم هديته لنا أنه يجبرنا على إعادة التفكير في معنى الإنسان. أن نتشبث بما يجعلنا أكثر من معادلات. أن نحمي قدرتنا على السؤال، على الشك، على التأمل. في زمن تتكلم فيه الخوارزمية بطلاقة، يصبح الصمت الإنساني العميق فعلاً من أفعال المقاومة الجميلة.
الأسطورة لم تعد تسكن الكتب القديمة. إنها تعيش بين أيدينا، تنبض في أجهزتنا، وتنتظر جوابنا. فهل نمتلك شجاعة النظر في المرآة حتى النهاية؟ ــ الدستور