بشار جرار : مكاتب تغني عن «مكاتيب»!
أخذت على نفسي عهدا منذ حدث مفصلي في حياتي المهنية بتحريم الانتقاد واجتناب النقد بما فيه ذلك البنّاء، ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وتعلمت من دروس كانت مفيدة على ما رافقتها من آلام، تعلمت أن ذلك النقد البنّاء إن كان لا بد منه، فليكن مباشرا وخاصا.
لكن ما نحن فاعلين إن كان الخاص مغلقا والمباشر ضربا من الخيال، في ظل البعد المكاني والتباعد الفكري وأحيانا التنافر الشخصي؟!
نعود فنراجع أنفسنا فيكون الرد الحاسم والحازم في ذلك الصوت الهاتف من أعماق الصدور، من الضمير، قبل أن يرفع الملف برمته إلى ما تحت العقال، للنظر في أمر ما يستدعي على الأقل الكلام، فالصمت في بعض القضايا جريمة، والساكت عن الحق «شيطان أخرس» والعياذ بالله.
ولعل من خير ما قدمته العلوم الإدارية والاقتصادية والسياسية والاتصالية (الإعلامية) من دروس، هي اعتماد التفاعلية مع المعنيين، مع الجمهور، ومن باب أولى الزملاء في المهنة أو المصلحة، سواء أكانت في قطاع عام أو خاص. ولضمان تلك التفاعلية وديمومتها كان الحرص على الشفافية، ومن قبل ومن بعد المبادرة في الدعوة إلى الاشتباك الإيجابي، لمن يتردد في قول ما يريد، وإن لم يكن ذلك القول «حُسنا»!
أتاحت ظروف الحياة المهنية والشخصية في الوطن والمهجر زيارة مكاتب بعضها عالي الشأن شديد الفخامة، على بوابات مبناها أكثر من حاجب، وبعضها الآخر، رفيع المقام، عظيم البساطة. المسألة ليست تفاوتا في أحجام المكاتب، أو أبهة أثاثها وقطعها الفنية وصورها وأعلامها، القضية كانت وستبقى الجالس أو الواقف أو الجوال محبة وخدمة لفريقه لا موظفيه، ولجمهوره المباشر وغير المباشر، ففي نهاية المطاف كلنا معنيون وجميعنا نعمل لغاية واحدة، إرضاء الله وخدمة البلاد و»العباد»، خدمة أحرارٍ لأحرار..
ينشغل البعض في زيادة عدد المكاتب أو اختصارها، فيما يحرص بعض شاغليها على تحديث المستلزمات المكتبية من اتصالات وقرطاسية، لكن طبيعة الأعمال ما عادت مكتبية في ظل التقدم التكنولوجي واللامركزية وتلزيم المهام وتفويضها، مما فرض واقعا جديدا عمليا «ثوريا» على تصميم المكاتب ومواقعها في مبنى المنشأة -عامة كانت أم خاصة، الطوابق العليا أم الأرضية؟ في الواجهة اقترابا من الجمهور أم الخلفية على سبيل الحماية والفخامة حتى وإن كان مناقضا لمفهوم المهنة أو الوظيفة، بحيث يعزل المدير نفسه أو يقربها من «المطبخ» حيث يصنع القرار ويكون المُنتَج والإنجاز.. لم تعد أوراق الحائط أو ألوان الجدران وإضاءاته الجانبية أو العلوية هي ما يعكس ساكن المكان وشاغر المنصب، حيث صارت جدران المكاتب الزجاجية هي الأصل ضمانا للشفافية، وبعضها تم تصميمه بلا باب توكيدا لسياسات «الأبواب المفتوحة»..
يعلم العارفون بالمكاتب على اختلاف مراتبها العمودية، العلاقة الطردية بين انعدام الشفافية والمبادرة والتفاعلية من جهة، وارتفاع منسوب النميمة والغيبة والتذمر والشكوى والملامة والمماطلة والاعتذارية وحتى العدائية بأنواعها، والتي قد تصل إلى التطاول على المقامات الإدارية أو الحرمات المهنية والإنسانية أو المال العام أو السمعة المهنية والشخصية، وجميعا جرائم يعاقب عليها القانون والعرف أيضا ولله الحمد.
قد يكون من المفيد بعد فتح الأبواب أو قبلها، فتح النوافذ. فالإدارة المرجوة للمكاتب لا تقف عند جدرانها الزجاجية -الشفافة لا البلورية- أو إزالة ما تعرف بالسقوف الزجاجية للرقابة والمساءلة والمتابعة والتفتيش، بل بغلق الأبواب وإسقاط الذرائع وسد الثغرات أمام الحاجة إلى تصعيد الشكوى أو الاقتراح عبر تقارير نزيهة أو كيدية أو مكاتيب استرزاق أو استرحام، وكل ذلك في صيغ متعارف عليها تحت غطاء النقد الشرعي أو الانتقاد المشروع. وذلك تصعيد «إداري» قد يصل إلى درجة تتطلب فيها الأمور، زيارة مكتب «نافذ»، أو المكتب الأول في تلك المنشأة الإدارية الخاصة أو العامة، مما يشكل الكثير من الانشغال وأحيانا الإرباك والإنهاك، مما يؤسس إلى سوابق تصير تراكمية فتحول بعض الإشكالات إلى مشاكل ومعضلات بعضها يترتب عليها «مظلمات» بصرف النظر عن صدقية مروجيها فإنها تحدث أضرارا لا تحمد عقباها.
كم أفرح قلبي خبر صفر مديونية في أم الجامعات الأردنية. ذلك إنجاز يسجل لرئيس الجامعة معالي الدكتور نذير عبيدات الذي رأيناه كما في مناصب ومواقع سابقة، خارج مكتبه، جوالا متفاعلا ميدانيا مع كادر الجامعة التعليمي والإداري، وكذلك الطلبة. الاحتفال بهذا الإنجاز الوطني حافز للجميع وليس للإداريين وحدهم أو السياسيين. سداد المديونية وتقليص العجز والانتقال إلى الاستثمار والربح أمر جدير في فتح الباب على مصراعيه، وتشريع النوافذ كلها، للاستجابة من تجارب الأردنيين من القطاعين العام والخاص، في الوطن والمهجر.
قد لا يتطلب الأمر عقد مؤتمرات ومنتديات، فأقله فتح قنوات تواصل حتى في
أبسط وأسرع صورها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكم هو مؤسف أن تكون
حسابات بعض المعنيين في التواصل مع الناس، حسابات مغلقة أمام الرسائل أو
حتى خانة التعليق! صحيح أن هناك تجاوزات وإساءات يظن البعض أنه يغلق بابه
بوجه الريح ليستريح، لكن من يتصدى للشأن العام في رقبته أمانة لا بأس أن
يحتمل معها بعض الأذى، ففي ذلك أجر وعافية..