د. خالد العاص : لقاء جلالة الملك: الأردن بين تحديات الداخل وتحولات الإقليم
يعكس لقاء جلالة الملك عبد الله الثاني مع عدد من الشخصيات السياسية والإعلامية أهمية الحوار الداخلي في مرحلة تتسم بتعقيدات متزايدة على المستويين الإقليمي والدولي. فمثل هذه اللقاءات لا تقتصر على تبادل الآراء حول القضايا الراهنة، بل تشكّل منصة لقراءة المشهد السياسي والاقتصادي، وتحديد الأولويات الوطنية في ظل بيئة إقليمية مضطربة.
على الصعيد الداخلي، يشير تأكيد جلالة الملك المضي في تنفيذ المشاريع الكبرى في قطاعات حيوية إلى إدراك واضح بأن الاستقرار السياسي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية؛ فالدولة الأردنية، التي تواجه تحديات تتعلق بموارد محدودة وضغوط اقتصادية، تدرك أن تعزيز الاقتصاد الوطني ليس هدفًا تنمويًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية للحفاظ على التماسك الاجتماعي وتعزيز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.
أما في الشأن الإقليمي، فإن تأكيد جلالة الملك أن مصلحة الأردن ومواطنيه تبقى فوق كل اعتبار يعكس نهجًا سياسيًا يقوم على الواقعية والتوازن. فالأردن بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه مع محيطه الإقليمي، يجد نفسه دائمًا في قلب التحولات السياسية، ما يفرض عليه اتباع سياسة خارجية حذرة تسعى إلى حماية الأمن الوطني وفي الوقت ذاته الإسهام في استقرار المنطقة.
وفيما يتعلق بالتطورات المرتبطة بإيران، فإن موقف الأردن الداعم للحلول السلمية والحوار يعكس ثبات السياسة الأردنية القائمة على الدبلوماسية كخيار أول لتخفيف التوترات. ويأتي هذا الموقف منسجمًا مع الدور الذي يسعى الأردن إلى تكريسه بوصفه طرفًا يدعم الاستقرار ويشجع على خفض التصعيد، إدراكًا لما يمكن أن تجرّه الصراعات المفتوحة من آثار سلبية على المنطقة بأسرها.
كما أن الحديث عن العلاقات مع سوريا يبرز أولوية الاستقرار في الجنوب السوري بالنسبة للأردن، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية. فاستقرار سوريا ينعكس مباشرة على الأردن في ملفات متعددة، من بينها أمن الحدود، وحركة التجارة، وعودة اللاجئين، وهو ما يفسّر استمرار التنسيق والتعاون بين المؤسسات في البلدين.
وفي سياق القضية الفلسطينية، فإن التشديد على ضرورة تنفيذ اتفاق إنهاء الحرب في غزة ووقف التصعيد في الضفة الغربية يعكس ثبات الموقف الأردني الداعم لوقف العنف وحماية المدنيين، إضافة إلى التمسك بالدور الأردني التاريخي في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والعمل من أجل تحقيق السلام العادل والشامل.
ولا تقل أهمية الرسائل الموجهة إلى الإعلام والنخب السياسية عن بقية المحاور، إذ يؤكد التركيز على جعل المصلحة الوطنية بوصلة للخطاب السياسي والإعلامي إدراكًا لدور الرأي العام في تشكيل الوعي المجتمعي، خاصة في ظل انتشار المعلومات المتسارع وتأثير وسائل الإعلام في توجيه النقاش العام.
خلاصة القول، يكشف هذا اللقاء عن رؤية متكاملة لإدارة التحديات، تقوم على مزيج من تعزيز الجبهة الداخلية، والانخراط الدبلوماسي الفاعل في القضايا الإقليمية، والحفاظ على ثوابت السياسة الأردنية القائمة على الاعتدال والتوازن. وهي رؤية تعكس إدراكًا بأن استقرار الأردن يتطلب تلازمًا بين قوة الداخل وحكمة التعامل مع تحولات الإقليم. ــ الدستور