اسماعيل الشريف يكتب : الإبادة الأكاديمية
إذا كنّا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نغيّر المدافعين لا أن نغيّر القضية- غسان كنفاني ، رواية رجال تحت الشمس.
بذريعة محاربة حماس، جعل الاحتلال من تدمير البنية التحتية التعليمية في غزة أحد أخطر بنوك أهدافه؛ فدُمِّرت الجامعات الثماني تدميرًا شاملًا، وتوقفت العملية التعليمية بالكامل، ولم تسلم المدارس الخاصة ولا العامة ولا مدارس الأونروا، كما سُوِّيت المكتبات والمختبرات بالأرض في محاولةٍ ممنهجة لاجتثاث المعرفة من جذورها.
غير أن الاستهداف لم يقف عند حدود الحجر، بل امتد إلى البشر، باغتيال مئات الأساتذة والمحاضرين الجامعيين، وأكثر من ألف معلم ومعلمة، إلى جانب مئات الكتّاب والمثقفين، في محاولةٍ واضحة لإفراغ المجتمع من حَمَلة الوعي وصنّاعه.
وقد يذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأن هذه الاغتيالات جاءت وليدة أحداث طوفان الأقصى، إلا أن التمعّن في تاريخ الاحتلال وسلوكه يكشف نهجًا قديمًا ثابتًا في استهداف المثقف الفلسطيني، من غسان كنفاني إلى ناجي العلي، ومن كمال ناصر إلى كمال عدوان. فالكلمة، وبيت الشعر، والسرد، وصناعة الوعي، تشكّل تهديدًا وجوديًا لهذا الكيان يفوق في خطورته الرصاصة والدبابة.
ومن رحم هذا الاستهداف المتعمّد وُلد مصطلح «الإبادة الأكاديمية»، الذي صاغته الأكاديمية الفلسطينية كرمة النابلسي توصيفًا لسياسات الإبادة المعرفية، الهادفة إلى محو النظام التعليمي الفلسطيني، ليس في حاضره فحسب، بل في مستقبله أيضًا، عبر حرمانه من أي إمكانية للقيام من جديد.
وثمّة حقيقة بالغة الخطورة لا يجوز تجاوزها أو التعامل معها بخفة: فالمواقف السياسية المعارضة، ولا حتى الهجوم العلني على حماس أو منظمة التحرير، لم تشفع لمئات المفكرين الذين اغتالهم الاحتلال. إذ إن استهداف المثقف، حتى حين يكون مخالفًا أو ناقدًا، ليس ردّ فعل سياسيًا عابرًا، بل جزء من مشروعٍ متكامل لإبادة الفكر النقدي وقطع سلاسل انتقال الوعي عبر الأجيال.
وهنا تتجلّى خطورة اتهام المثقف وقمعه وحجب أفكاره؛ فالمثقف، وإن عبّر في كثير من الأحيان عن جماعة ينتمي إليها، قد يخرج عن السرب حين يؤمن بقضيةٍ ما، متجاوزًا حسابات الثواب والعقاب، ليجد نفسه في مواجهة الإدانة والعزلة، وربما السجن أو المحاكمة الشعبية.
أما في المنظور الصهيوني، فالمثقف عدوٌّ في جميع الأحوال؛ لأن جوهر دوره يكمن في إنتاج التفكير النقدي الحر. وحتى إن بدا متماهيًا أو متقاطعًا مع خطابهم، فإن امتلاكه للوعي والمعرفة والقدرة على التفكير الموضوعي يجعله خطرًا وجوديًا لا بد من إسكاته أو تصفيته.
وفي هذا السياق، فإن إفناء طبقة كاملة من المثقفين والأكاديميين والطلبة، وتدمير المؤسسات التعليمية، يكشف بجلاء وحشية هذه الدويلة الاستيطانية.. وفي هذه اللحظة التاريخية، لم يعد السؤال: هل يستطيع المثقف أن يتكلم؟ بل أصبح الجواب أكثر فداحة: صمته هو التواطؤ ذاته.