الأخبار

رمزي الغزوي : الفضيحة بوصفها علامة حياة

رمزي الغزوي : الفضيحة بوصفها علامة حياة
أخبارنا :  

لم تكن فضائح إبيستن حادثة عابرة في سجل الانحرافات البشرية، ولا قصة رجل سقط في هوة شهوته ثم انتهى. هي لحظة كاشفة، تشبه شقا عميقا في جدار سميك، يسمح لنا أن نرى ما كان مخفيا خلفه طويلا. ما يطفو على السطح قبيح، صادم، خانق، غير أن ما تحته أكثر خطورة، كونه يضع المجتمع كله في قفص السؤال.

في تلك الفضائح يتجسد التحالف القديم بين المال والنفوذ حين يفقدان أي وازع. جسد الإنسان يتحول إلى سلعة، والضعف يصير فرصة، والصمت عملة قابلة للتداول. لم يكن إبيستن استثناء أخلاقيا نادرا، كان نتاج بيئة تعرف كيف تحمي الأقوياء، وكيف تطيل أعمار الجرائم، وكيف تجعل الضحية وحيدة في مواجهة شبكة محكمة من المصالح والخوف.

ورغم هذا السواد الكثيف، ثمة حقيقة لا يجوز القفز فوقها. هذه الفضائح خرجت إلى العلن. سقطت الأقنعة. تجرأت أصوات مكسورة على الكلام. صحافة شجاعة وماهرة وصبورة فتحت ملفات كانت محرمة ومغلقة وصعبة المنال. قضاء تعثر ثم واصل السير. وثائق نفض عنها غبار السرية. الطريق كان طويلا، موجعا، ومليئا بالالتواءات، لكنه فُتح، وهذه ليست تفصيلة هامشية.

برايي أن المجتمع الحي لا يقاس بنقاء واجهته، ولا بعدد الشعارات التي يرفعها، ولا بقدرته على الادعاء. يقاس بقدرته على المواجهة. بالمقدار الذي يحتمله من الألم في سبيل الحقيقة. المجتمع الحي يعرف أن الاعتراف مكلف، وأن الفضيحة تجرح صورته، لكنه يفضل جرحا مكشوفا على تعفن صامت. يختار الضوء رغم قسوته، لأنه يدرك أن الظلام لا يحمي أحدا.

والمجتمع الميت، فهو ذاك الذي يخشى الكلمة، ويرتعد من الكشف، ويقدس السمعة حتى لو كانت مبنية على كذب. مجتمع يتقن فن التبرير، ويتفنن في تمرير الجرائم تحت مسميات الحكمة، والمصلحة، ودرء الفتنة. الضحية فيه عبء، والصوت العالي خيانة، والحقيقة خطر يجب تطويقه. هذا المجتمع لا يخلو من الانتهاكات، لكنه يخلو من الشجاعة.

من هنا تتجاوز فضائح إبيستن بعدها الجنائي، لتصير درسا ثقافيا وأخلاقيا. الدرس لا يقول إن هناك مجتمعات طاهرة وأخرى فاسدة، يقول إن هناك مجتمعات تمتلك جهاز مناعة، وأخرى تعيش بلا مقاومة. الأولى تمرض وتتعافى، ترتكب الخطأ ثم تحاسبه، تنزف ثم تواصل. الثانية تتظاهر بالعافية، فيما السم يسري في جسدها ببطء.

شجاعة نشر هذه الفضائح لا تكمن في الفضح ذاته، تكمن في القبول بثمنه. في تحمل الصدمة، والارتباك، وتداعي الرموز. في الإيمان بأن كشف القبح خطوة ضرورية لصيانة ما تبقى من جمال. فالمجتمع الذي لا يجرؤ على تسمية أخطائه، محكوم بأن يعيد إنتاجها.

فضائح إبيستن تقول لنا إن الحياة الأخلاقية لا تقوم على الإنكار، تقوم على المواجهة. وإن المجتمعات لا تموت حين تنكشف عيوبها، تموت حين تصر على دفنها. الفرق بين الحي والميت ليس غياب السقوط، الفرق هو القدرة على النهوض، وعلى دفع الألم إلى الأمام، لا إلى تحت السجادة.

مواضيع قد تهمك