السفير د. علي محمد كريشان : بين الوفاء والبيعة.. إرثٌ يتجدّد في معان عاصمة التأسيس
في الجنوب الأردني الأصيل، حيث تلتقي بطولات التاريخ بإرادة الحاضر، تقف معان شامخة شاهدةً على لحظة ميلاد الدولة الأردنية الحديثة. ففي عام 1920 استقبلت هذه المدينة الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين، طيب الله ثراه، لتكون محطته الأولى والأهم، ومنها أعلن انطلاق مشروع تأسيس إمارة شرق الأردن، فاستحقت عن جدارة لقب «العاصمة الأولى».
ولم يكن اختيار معان اختياراً جغرافياً فحسب، بل حمل دلالات سياسية ووطنية عميقة، عبّرت عن حكمة القيادة الهاشمية وبصيرتها في بناء علاقة راسخة ومتينة مع أبناء الوطن، علاقة قوامها الثقة المتبادلة والولاء الصادق. ومن هنا وصفها المؤرخون بـ«البيت الأول» للدولة الأردنية، حيث وُضعت اللبنة الأساسية للمشروع الوطني الكبير.
ولم يبقَ إرث معان حبيس الذاكرة، بل تحوّل إلى رافد متجدد للعطاء وجوهرٍ راسخ في هوية أبنائها، الذين يحملون فخر الانتماء إلى منبع الدولة، ويترجمون هذا الفخر عبر أجيال متعاقبة من العمل الوطني المخلص. ففي ميادين الدفاع عن الوطن، وميادين العلم والتعليم، والسياسة والدبلوماسية، والاقتصاد والثقافة، وساحات التنمية والعمل العام، يبرز أبناء معان جنوداً أوفياء وسواعد فاعلة أسهمت، ولا تزال، في بناء نهضة الأردن الشاملة تحت القيادة الهاشمية.
ويتميّز أبناء معان بولاءٍ راسخ وثابت، يمتد كجسر متين بين ماضي التأسيس وحاضر التحدي، ويجسّدون نموذجاً أصيلاً للالتفاف الشعبي الحقيقي حول القيادة الهاشمية، ولا سيما في ظل قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، إذ يقفون صفاً واحداً خلف رؤيته الإصلاحية والتحديثية، ويواجهون بعزيمة وحكمة مع قيادتهم مختلف التحديات الإقليمية والدولية، إيماناً بقدرة الأردن وشعبه على تجاوز الصعاب وصناعة المستقبل.
وفي ذكرى الوفاء والبيعة، تستحضر معان، كجزءٍ أصيل من الأسرة الأردنية الواحدة، مسيرة العطاء المتواصل منذ عهد الملك المؤسس، مروراً بعهد الملك الباني الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الذي كرّس حياته لخدمة شعبه وبناء دولة المؤسسات، وصولاً إلى عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي يواصل بثبات مسيرة البناء والتحديث الشامل، وتحسين حياة المواطنين، وترسيخ مكانة الأردن دولةً محورية تنادي بالسلام والاستقرار على المستويين العربي والدولي، وتدافع بثبات عن القضايا العربية العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
وهكذا ستبقى معان، كبقية مدن الوطن، علامة فارقة في الضمير الوطني الأردني؛ من مهد الدولة إلى حصن الولاء، تؤكد أن عهدها مع الهاشميين هو عهد دمٍ وترابٍ وتاريخٍ مشترك، يتوارثه الأبناء جيلاً بعد جيل، ويسطّرون فصوله الجديدة بالإنجاز والوفاء، في مسيرة وطنٍ لا تنتهي.
رحم الله الملك الباني الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، وأطال الله في عمر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه.