الأخبار

د. ناديا محمد نصير : الحسين… ذاكرة الأردن التي لا تموت

د. ناديا محمد نصير : الحسين… ذاكرة الأردن التي لا تموت
أخبارنا :  

في السابع من شباط، لا يعود الأردنيون إلى التاريخ بوصفه حدثًا مضى، بل يعودون إلى ذاكرةٍ حيّة، وإلى لحظةٍ مفصلية لم تكن عابرة في الوجدان الوطني. ففي ذلك اليوم، لم تكن البلاد تودّع ملكًا بالمعنى التقليدي، بل كانت تودّع أبًا كبيرًا، وصوتًا كان يشبه السند، وحضورًا كانت تستقيم به التفاصيل الصغيرة قبل القرارات الكبيرة. في ذلك اليوم، لم تكن السماء وحدها ثقيلة، بل كانت الوجوه أيضًا ثقيلة، وكانت الكلمات أقل من أن تشرح حجم الفقد، لأن الحسين لم يكن خبرًا… كان شعورًا عامًا يربط الناس بوطنهم.

 

وأنا أكتب في ذكرى الحسين، أجدني أستعيد ذلك اليوم كأنه يحدث الآن. كنت في المدرسة، ولم تكن الحصص يومها تشبه أي يوم. دخل أحد المعلمين، وكان وجهه يحمل ما لا يُقال بسهولة، ثم قالها بكلمة واحدة سقطت على قلوبنا قبل أن تسقط على مسامعنا (رحل الحسين). لا أذكر بعدها الدرس، ولا أذكر أي شرح، ولا أذكر سوى صمتٍ هبط فجأة على المكان، صمت جعل المدرسة كلها تبدو كأنها فقدت الهواء. ثم بدأت الهمسات، ثم بدأت العيون تلمع، لنسمع صوت البكاء. كنا صغارًا، لكننا فهمنا، فهمنا أننا لا نسمع خبر وفاة ملك، بل نسمع خبر رحيل الأمان.

ولأن الحسين لم يكن مجرد رمز عاطفي، بل كان رجل دولة بمعنى الكلمة، فإن بطولته لم تكن في الخطاب وحده، بل في الفعل. بطولات الحسين كانت في قدرته على رفع الأردن إلى مكانة أكبر من حجمه، وفي أن يجعل من هذا الوطن الصغير دولة محترمة تُسمع كلمتها في الإقليم والعالم. كان يعرف كيف يحمي الأردن من أن يتحول إلى ساحة، وكيف يحفظ له قراره، وكيف يبقيه ثابتًا في زمن كانت فيه الدول تُكسر كما تُكسر الأشياء الهشة. وفي عهده، لم يكن الأردن مجرد بلد يحاول النجاة، بل وطنًا يملك حضورًا سياسيًا ووزنًا دبلوماسيًا، وجيشًا تُرفع له القبعة، وشعبًا تعلّم أن الكرامة ليست رفاهية بل هوية.

ومع انتقال الأمانة، لم تكن مسيرة جلالة الملك عبدالله الثاني استراحة تاريخ، بل كانت استمرارًا شجاعًا في زمن أشد قسوة. فقد تسلّم جلالته القيادة في مرحلة إقليمية مضطربة، ومع ذلك بقي الأردن واقفًا، حاضرًا، ومتماسكًا. حمل جلالته الأردن إلى العالم لا كدولة أزمة، بل كدولة موقف، وحمى مؤسساته، وصان جيشه، وأبقى قرار الدولة أردنيًا خالصًا في زمن كثرت فيه الوصايات.

وفي كل مرة نعود فيها إلى ذكرى الحسين، لا نعود لنغرق في الحزن، بل لنستعيد المعنى ثم نرفع رؤوسنا بثقة، لأن الأردن اليوم، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، لم يفقد طريقه، ومع ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، نشعر أن المستقبل لا يأتي غريبًا، بل يأتي من بيت يعرف الأردن ويحب شعبه.

رحم الله الحسين، وأدام الله على الأردن نعمة القيادة الهاشمية، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده، ليبقى هذا الوطن كما عرفناه دائمًا:

واقفًا، كريمًا، مطمئنًا، ومحميًا بالحب.

أخصائية في العلاج النفسي

ــ الراي

مواضيع قد تهمك