الأخبار

د. خالد العاص : القمة الأردنية الأوروبية: تحوّل في العلاقة وتوازن في المصالح

د. خالد العاص : القمة الأردنية الأوروبية: تحوّل في العلاقة وتوازن في المصالح
أخبارنا :  

عُقدت القمة الأردنية الأوروبية في لحظة حاسمة على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية، لتؤكد أن العلاقة بين الأردن والاتحاد الأوروبي لم تعد محصورة في إطار الدعم التقليدي أو المساعدات الاقتصادية، بل انتقلت إلى مرحلة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة والتكامل السياسي والاقتصادي. هذه القمة تمثل إعادة قراءة للعلاقة، بما يتجاوز البُعدين البروتوكولي والاقتصادي، إلى شراكة تتماهى مع التحولات الإقليمية، وتعكس إدراك الطرفين لأهمية استدامة الاستقرار في الشرق الأوسط.
من الناحية السياسية، تُبرز القمة الدور الأردني كركيزة أساسية في المنطقة. فالأردن يمتلك استقرارًا مؤسسيًا، وموقعًا جيوسياسيًا حساسًا، جعله شريكًا استراتيجيًا للاتحاد الأوروبي في الملفات الإقليمية الحيوية، من إدارة أزمات اللجوء إلى دعم مسارات التهدئة ومنع الانزلاق نحو الفوضى. الشراكة الاستراتيجية، إذًا، ليست مجرد دعم شكلي، بل اعتراف بالقدرة الأردنية على المساهمة الفعلية في صياغة السياسات الإقليمية وحماية المصالح الأوروبية في منطقة مضطربة.
اقتصاديًا، أكدت القمة على أهمية تعزيز التبادل التجاري والاستثماري. فقد شهدت الصادرات الأردنية إلى أسواق الاتحاد الأوروبي نموًا ملحوظًا في قطاعات الألبسة، والأسمدة، والأدوية، والمنتجات الكيميائية والزراعية، ما يعكس قدرة المملكة على الوصول إلى أسواق تتطلب معايير جودة عالية. وفي المقابل، يتيح ارتفاع الواردات الأوروبية إلى الأردن، خصوصًا في المركبات والآلات والمعدات الصناعية، فرصة لتحويل هذا الاعتماد إلى نقل تكنولوجيا وبناء قدرات إنتاجية محلية، ما يدعم استراتيجية الأردن في تنويع الاقتصاد وتعزيز الصناعات الوطنية.
من جانب التمويل، تمثل الحزمة الأوروبية المخصصة للأردن للفترة 2025–2027 رهانًا استراتيجيًا على الاستقرار الأردني، إذ تشكل أداة استثمارية طويلة الأمد، وليس مجرد دعم مؤقت. هذا التحول يعكس فلسفة جديدة لدى الاتحاد الأوروبي، من التركيز على إدارة الأزمات إلى الاستثمار الوقائي في الاستقرار السياسي والاقتصادي.
مع ذلك، يبقى التحدي الرئيسي في قدرة الطرفين على تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع عملية تحقق إنتاجًا مشتركًا، وتنسج سلاسل قيمة متكاملة، وتطبق سياسات مستدامة. فالنجاح الحقيقي للقمة سيقاس بمدى ترجمة مخرجاتها إلى شراكات فعلية تعيد رسم العلاقة الأردنية الأوروبية وتعزز مصالح الطرفين على الأرض.
في المحصلة، تعكس القمة الأردنية الأوروبية إعادة هندسة العلاقة بين الطرفين، من دعم إلى شراكة استراتيجية متوازنة، قائمة على المصالح المشتركة، والتكامل الاقتصادي والسياسي، والقدرة على مواجهة التحديات الإقليمية. وما بعد القمة، يظهر الأردن كشريك مؤثر في المنطقة، فيما يسعى الاتحاد الأوروبي لتثبيت حضوره بطريقة مستدامة، توازن بين المصالح الأوروبية والمحافظة على استقرار الأردن والمنطقة ككل.

مواضيع قد تهمك