فراس النعسان : هل نكتفي بإعادة تشغيل «ماركا» أم نعلن عن مطار المستقبل؟
بينما ينشغل العالم اليوم بتطوير مطارات ذكية، صغيرة الحجم، عالية الكفاءة،
تشبه مراكز البيانات أكثر مما تشبه مباني السفر التقليدية، يبدو الإعلان
عن إعادة تأهيل مطار مدينة عمّان (ماركا) ليستقبل الطائرات منخفضة التكاليف
خطوة ناقصة السقف، إن لم تُستكمل برؤية أكثر جرأة تتجاوز منطق «التخفيف عن
مطار الملكة علياء» إلى منطق «إعادة تعريف المطار الحضري في قلب العاصمة».
القضية
ليست في الطيران منخفض التكاليف بحد ذاته، فهذا نموذج تشغيلي ناجح
عالميًا، بل في الصورة الذهنية التي نريد أن يصدّرها الأردن عن نفسه. هل
نريد مطارًا يُدار بعقلية الضرورة، أم مطارًا يُصمَّم بعقلية الريادة؟ هل
نكتفي بإعادة تشغيل مرفق قديم، أم نعلن عن مطار المستقبل بوصفه بيانًا
حضريًا وتقنيًا عن قدرتنا على مواكبة العصر؟
في التجارب العالمية، لم
تعد المطارات الصغيرة تعني مطارات متواضعة. مطار لندن سيتي، في قلب العاصمة
البريطانية، تحوّل إلى واحد من أكثر مطارات أوروبا ذكاءً، يعتمد بوابات
رقمية ومسارات عبور سريعة وتقنيات بيومترية تختصر تجربة المسافر إلى دقائق.
مطار هانيدا في طوكيو يعمل كنقطة نقل حضرية فائقة الكفاءة، تتكامل فيها
حركة الطيران مع المترو والمدينة الذكية المحيطة به. أما مطار بيلوند في
الدنمارك، فرغم حجمه المحدود، أصبح نموذجًا عالميًا في الاستدامة والطاقة
النظيفة وإدارة الحركة الذكية.
هذه النماذج لا تقوم على المساحة ولا على
عدد المدارج، بل على الفكرة. الفكرة التي تقول إن المطار لم يعد مجرد مدرج
وصالة انتظار، بل بوابة حضرية، وواجهة تكنولوجية، ورسالة سياسية واقتصادية
عن قدرة الدولة على الابتكار ضمن حدودها الواقعية.
من هنا، فإن إعادة
تشغيل مطار مدينة عمّان تمثل فرصة نادرة للأردن. فالمطار، الذي يعود تأسيسه
إلى عام 1920، والذي شهد تحولات حاسمة حتى تراجع دوره لصالح مطار الملكة
علياء، يعود اليوم إلى الواجهة ضمن رؤية التحديث الاقتصادي. الترخيص
المدني، تحديث النشرة الملاحية، تأهيل المدرج وفق معايير السلامة الحديثة،
واستقطاب شركات طيران منخفضة الكلفة، كلها خطوات مهمة، لكنها تبقى في إطار
التشغيل، لا في إطار التحوّل.
الفرصة الحقيقية تكمن في الذهاب أبعد من
ذلك: إعلان مشروع مطار مدينة ذكي. مبانٍ نموذجية بتصميم معماري معاصر،
بوابات تعتمد التعرف البيومتري، ممرات عبور سريعة بلا طوابير، أنظمة أمتعة
مؤتمتة، وتجربة سفر رقمية متكاملة من لحظة الحجز حتى مغادرة المطار. مطار
يعمل نهارًا فقط، منخفض الضجيج، منخفض الانبعاثات، ومنسجم مع النسيج الحضري
لمنطقة ماركا، لا عبئًا عليها.
الأهم، أن يتحول المطار إلى منصة اختبار
لتقنيات المستقبل: الطيران الكهربائي، طائرات الإقلاع والهبوط العمودي،
الربط مع وسائل النقل الذكية داخل عمّان، وتحويله إلى عقدة نقل حضري
متكاملة، لا مجرد محطة عبور للرحلات القصيرة.
عندها فقط، سيتحوّل مطار
مدينة عمّان من قصة «تعافٍ لمدرج قديم» إلى قصة قفزة ذهنية في التفكير. من
استثمار أصل وطني قائم، إلى إعادة تعريف معنى المطار في دولة محدودة
الموارد، لكنها قادرة على تقديم أفكار ذكية، واقعية، وجذابة.
الأردن لا
يحتاج إلى أكبر مطار في المنطقة، بل إلى أذكى مطار في حجمه. مطار في قلب
عمّان، يقول للعالم إننا لا نكتفي بإعادة التشغيل، بل نملك الشجاعة للإعلان
عن المستقبل.