الأخبار

صالح الشراب العبادي : الانقسام الفلسطيني .. حين يصبح الاحتلال شريكاً والمقاومة خصماً

صالح الشراب العبادي : الانقسام الفلسطيني .. حين يصبح الاحتلال شريكاً والمقاومة خصماً
أخبارنا :  

يبدو المشهد الفلسطيني اليوم وكأنه يعيش مفارقة تاريخية بالغة القسوة ، فبعد عقود من الاحتلال، وعشرات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى، بات الخطر الأكبر على المشروع الوطني الفلسطيني لا يأتي من الدبابات الإسرائيلية وحدها، ولا من سياج المستوطنات ولا من جنود الاحتلال المنتشرين عند كل مفترق، بل من داخل البيت الفلسطيني ذاته ، أصبح الانقسام وما ولّده من حسابات ضيقة ومصالح فئوية ، أخطر من العدوان، وأشد فتكاً من آلة القمع الإسرائيلية.

دخل الفلسطينيون منذ اتفاق أوسلو في معادلة معكوسة لم يحسبوا ثمنها جيداً ، فبدل أن تكون السلطة جزءاً من مسيرة التحرير، تحولت إلى غاية بذاتها، وصارت أدوات الإدارة اليومية أقوى من روح النضال، وتقدمت لغة المصالح والامتياز على لغة المشروع الوطني الشامل ، ومع مرور الزمن، تآكلت القيمة الأخلاقية للصراع، وتحول الاحتلال في نظر البعض إلى "واقع يُدار” أكثر مما هو "خطر يُقاوم” ، ومن هنا انقلبت المفاهيم وتحول العدو إلى شريك محتمل، وتحولت المقاومة إلى عبء ينبغي احتواؤه أو تحجيمه.

لقد أثبت الاحتلال أنه لا يحتاج إلى الكثير من الجهد لتفتيت الفلسطينيين ، يكفي أن تكون هناك قيادات تفكر بعقلية الفصيل قبل الوطن حتى ينحدر المشروع الوطني إلى هوة الانقسام. وهكذا وجد الإسرائيلي نفسه في موقع المطمئن، يفاوض من يريد، ويحاصر من يشاء، يوزع الامتيازات على البعض ويطلق الرصاص على البعض الآخر، فيضمن استمرار الشروخ الداخلية ويحول الفلسطينيين إلى خصوم لبعضهم لا شركاء في المصير ، إنها السياسة الأقل كلفة والأكثر نجاحاً: إذابة الإرادة الفلسطينية في حرب داخليّة باردة تستنزف الطاقة والكبرياء والطموح.

وما هو أخطر من الانقسام ذاته هو التحول العميق الذي أصاب منظومة القيم الوطنية ، فمنذ متى أصبح الأسير عبئاً على القيادات، والمقاوم خطراً يهدد مصالحها؟ ومنذ متى تصبح التهدئة مع المحتل ضرورة استراتيجية، بينما تُعامل المقاومة باعتبارها إرباكاً لمسار سياسي هش؟ هنا تحديداً تتبدل المقاييس ، وعندما يخشى بعض الفلسطينيين بروز قامة قيادية وطنية قادرة على جمع الصف وإعادة صياغة الرؤية، فإننا نكون أمام عقل يقدّس الشرعية الشكلية على حساب الشرعية النضالية، ويقدم المقعد الوثير على حساب الشعب الجريح.

لكن الانقسام ليس قدراً محتوماً ولا نهاية الطريق ، فالأمم التي تحررت عبر التاريخ لم تكن أكثر تسلحاً من الفلسطينيين ولا أكثر تعداداً ولا أوسع أرضاً ، لكنها امتلكت شيئاً لم نوفق في الحفاظ عليه: وحدة الهدف.
فالتحرير لا يتحقق حين تتنازع الفصائل على "من يحكم”، بل حين تتفق على "لماذا نحكم” ، ولا يستمر الاحتلال حين يتوحد الشعب، بل حين يتشظى ، لذلك، فإن أي مشروع فلسطيني جديد لا بد أن يُبنى على إدراك أن تعدد الرؤى ليس المشكلة، بل غياب رؤية مشتركة. وأن الخلاف الطبيعي لا يتحول إلى كارثة إلا حين يستبدل الحوار برفض الآخر، والمنافسة بالتخوين، والهدف المشترك بالمصالح الضيقة.

إن لحظة الحقيقة التي فرضتها أحداث غزة و”طوفان الأقصى” أعادت فتح كتاب القضية الفلسطينية من صفحته الأولى ، فإما أن يكون الاحتلال عدواً واحداً لكل الفلسطينيين، أو يبقى الفلسطينيون أعداء لبعضهم، يتقدمون خطوة واحدة نحو الحرية ثم يتراجعون عشر خطوات إلى الوراء ، لم يعد السؤال من يقاوم ومن يفاوض، بل من يعمل من أجل مشروع وطني جامع، ومن يكتفي بإدارة واقع صنعه الاحتلال ليبقى زمناً أطول.

في النهاية، لا تُستعاد الأرض بالسلاح فقط ولا بالكلام وحده، بل بإحياء الفكرة التي اجتمع عليها الشعب منذ جيل النكبة: فلسطين قضية تحرر قبل أن تكون إدارة، ومشروع شعب لا سلطة، ورحلة طويلة لا تُختصر برضا عابر أو مكسب فئوي.
إن الخطر الحقيقي ليس في قوة الاحتلال بل في قدرتنا على إعادة تعريف العدو والصديق وتذكير أنفسنا بأننا شعب واحد مهما اختلفت الطرق والرايات.

ويبقى المعيار النهائي بسيطاً ومصيرياً: هل تتقدم فلسطين حين يتراجع الانقسام، أم يتراجع الفلسطينيون كلما اتسعت الفجوة بينهم؟ الجواب ليس عند إسرائيل التي تنتظر بصبر، بل عند الفلسطيني الذي يقرر إن كان سيظل أسيراً لصراع داخلي بلا معنى، أم شريكاً في مشروع تحرر لا يقف على قدم واحدة ولا يستثني أحداً.

مواضيع قد تهمك