د. رعد محمود التل : قمة الأردن والاتحاد الأوروبي. شراكة سياسية تتحول إلى رافعة اقتصادية
تمثل قمة الأردن والاتحاد الأوروبي الأولى، التي عقدت في عمان، نقطة تحول نوعية في مسار العلاقات الثنائية، ليس فقط على المستوى السياسي، بل على المستوى الاقتصادي والاستثماري بشكل خاص. فالقمة لم تكن بروتوكولية، بل جاءت في توقيت إقليمي ودولي حساس، ما يمنحها بعدا استراتيجيا يتجاوز البيانات التقليدية.
اقتصاديا، تستند هذه القمة إلى اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والشاملة التي وُقعت العام الماضي، والتي تشكل الإطار الحاكم للعلاقة المستقبلية. هذه الاتفاقية تعكس اعترافا أوروبيا بدور الأردن كركيزة استقرار في المنطقة، وشريك موثوق في بيئة تتسم بارتفاع المخاطر الجيوسياسية وتباطؤ النمو العالمي.
حديث جلالة الملك عن تحويل الاتفاقية إلى مخرجات ملموسة يحمل دلالة اقتصادية واضحة. الأردن لا يبحث عن دعم سياسي فقط، بل عن استثمارات، وتجارة، وفرص عمل، ونقل معرفة. التركيز على النمو المستدام والابتكار وزيادة المنعة الاقتصادية يعكس إدراكا رسميا بأن التحدي الاقتصادي هو التحدي الأهم في المرحلة المقبلة.
الاهتمام الأوروبي بالاستثمار في الأردن، مع هدف رفع حجم الاستثمارات إلى 1.4 مليار يورو، يشير إلى تغير في مقاربة الاتحاد الأوروبي تجاه المملكة. فبدلا من الاكتفاء بالمساعدات، هناك توجه نحو الاستثمار طويل الأجل، وهو ما ينسجم مع أولويات رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية، خاصة في قطاعات التشغيل، والطاقة، والبنية التحتية، والتعليم، والتكنولوجيا.
مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي المرتقب في نيسان المقبل يشكل اختبارا حقيقيا لهذه الشراكة. نجاح المؤتمر لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بنوعية المشاريع، وقدرتها على خلق فرص عمل، وتعزيز الصادرات، وربط الأردن بسلاسل القيمة الأوروبية. وهنا تبرز أهمية تحسين بيئة الأعمال، وتسريع الإصلاحات، وضمان الاستقرار التشريعي.
من زاوية أوروبية، يأتي تعزيز الشراكة مع الأردن في سياق بحث الاتحاد عن شركاء مستقرين قرب حدوده الجنوبية، خاصة في ظل الحرب في غزة، واضطراب سلاسل التوريد، وملف الهجرة واللاجئين. دعم الاقتصاد الأردني هو استثمار في الاستقرار الإقليمي، وليس مجرد تضامن سياسي.
كما أن تأكيد القادة الأوروبيين على دعم منعة الاقتصاد الأردني يعكس فهما لتحديات الدين، والبطالة، وضيق الحيز المالي. الشراكة الاقتصادية هنا يمكن أن تلعب دورا في تخفيف الضغوط، عبر التمويل الميسر، والاستثمار، وتوسيع النفاذ إلى الأسواق الأوروبية.
في جوهرها، لا تكمن أهمية قمة الأردن والاتحاد الأوروبي في حجم الدعم أو عدد التعهدات، بل في إعادة تعريف موقع الأردن داخل الخريطة الاقتصادية الأوروبية. التحول الحقيقي سيكون عندما يُنظر إلى الأردن ليس كدولة تتلقى المساندة، بل كمنصة إنتاج واستثمار وتكامل إقليمي. هذا يتطلب انتقال الشراكة من منطق المشاريع المنفصلة إلى منطق سلاسل القيمة، ومن التمويل قصير الأجل إلى الاستثمار طويل الأجل المرتبط بالإنتاج والتصدير.
اقتصاديا، يمتلك الأردن فرصة نادرة لاستثمار موقعه الجيوسياسي وتحويله إلى ميزة تنافسية، لكن ذلك مشروط بقدرة الدولة على تسريع الإصلاحات الهيكلية، وضبط كلفة الإنتاج، وتقديم بيئة استثمارية مستقرة وقابلة للتنبؤ.
إذا نجح الأردن في ذلك، فإن الشراكة مع الاتحاد الأوروبي قد تتحول من مظلة دعم إلى محرك نمو حقيقي، يساهم في تخفيف البطالة، وتعزيز المنعة الاقتصادية، وإعادة تموضع الاقتصاد الأردني في مرحلة إقليمية شديدة التقلب.