اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

القس سامر عازر : جلالة الملك: رصاص الغدر لن يشق صف الأردنيين

القس سامر عازر : جلالة الملك: رصاص الغدر لن يشق صف الأردنيين
أخبارنا :  

نقف اليوم أمام جريمة إرهابية جبانة هزّت وجدان الأردنيين جميعا مسلمين ومسيحيين، وقعت في قرية حمود، في لواء القصر بمحافظة الكرك الأبية، أثناء تشييع جثمان المرحومة أمثال الهلسة، حيث اجتمع جمع غفير من أبناء الكرك، من العشائر المسيحية وجيرانهم من العشائر المسلمة، لمشاركة أهل الفقيدة حزنهم وأداء واجب العزاء. إنه مشهد أردني أصيل يجسّد ما تربّينا عليه من قيم المحبة والتكافل والتعاضد، ويؤكد أن أفراحنا وأتراحنا تجمعنا، وأن روابطنا الإنسانية والاجتماعية أعمق من كل محاولة لزرع الفرقة بيننا.

هذه هي صورة الأردن الذي نعرفه ونعتز به، أردن الأخوّة الإسلامية-المسيحية والكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل، حيث يجمعنا الانتماء إلى وطن واحد، وتتساوى حقوقنا وواجباتنا، وتبقى حرية ممارسة الشعائر الدينية حقًا أصيلًا لكل مواطن. لقد نشأنا على الوقوف إلى جانب بعضنا بعضًا في الشدائد قبل الأفراح، وعلى فتح بيوت العزاء لبعضنا، وتقاسم الحزن كما نتقاسم الفرح. فنحن لسنا جماعات متجاورة فحسب، بل أبناء وطن واحد، تجمعنا الأرض والتاريخ والمصير المشترك.

إن استهداف المشيعين وهم يؤدون واجبًا إنسانيًا ودينيًا، في أجواء الصلاة والحزن والعزاء، هو اعتداء صارخ على حرمة الإنسان وكرامته، وعلى القيم التي يقوم عليها مجتمعنا الأردني. إنها جريمة تستوجب الإدانة بأشد العبارات، وكشف ملابساتها، ومحاسبة المسؤولين عنها وفقًا للقانون. وما يضاعف فداحة هذا الاعتداء أنه استهدف أناسًا اجتمعوا لمواساة عائلة مفجوعة، فإذا بالمواساة تتحول إلى مأساة، وإذا بالكنيسة ، الذي يفترض أن تكون ملاذًا للحزن والصلاة والسلام، تشهد سفك الدماء وإزهاق الأرواح.

إن مثل هذه الجرائم لا تستهدف ضحاياها المباشرين وحدهم، بل تهدد أمن المجتمع وثقة أبنائه بعضهم ببعض، وتفتح الباب أمام الخوف والشكوك والنزعات الطائفية الغريبة عن جوهر تجربتنا الوطنية. ومن هنا، فإن مسؤوليتنا جميعًا ألا نسمح للجريمة بأن تحقق أي هدف في تمزيق نسيجنا الاجتماعي، وضرب وحدتنا الوطنية ووئامنا الديني وأخوتنا الأصيلة.

لقد أثبت الأردنيون، عبر تاريخهم، أن وحدتهم الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل حقيقة تُعاش في البيوت والكنائس والمساجد، وتتجلى في الأفراح والأتراح، وتظهر بأجلى صورها في المواقف الصعبة التي تكشف أصالة الانتماء وعمق الروابط الإنسانية. فعندما يقف المسلم إلى جانب أخيه المسيحي في مصابه، وعندما يشارك المسيحي جاره المسلم أفراحه وأحزانه، فإن الأمر يتجاوز أداء واجب اجتماعي إلى التعبير عن إيمان عميق بإنسانية الإنسان، وعن انتماء صادق إلى وطن لا يكتمل إلا بجميع أبنائه.

إن هذه المواقف ليست استثناءً في حياتنا الأردنية، بل هي جزء من هويتنا الوطنية التي تشكلت عبر السنين، ومن تقاليد اجتماعية راسخة لم تفرّق بين بيت مسلم وبيت مسيحي حين تحل المصائب أو تُقرع أبواب الفرح. ومن واجبنا أن نحمي هذه الهوية من كل خطاب يحاول اختزال الإنسان في دينه أو طائفته، وأن نؤكد أن كرامة المواطن لا تتجزأ، وأن أمنه وحقوقه وحريته ليست امتيازات تمنحها جماعة لأخرى، بل حقوق أصيلة لكل أردني وأردنية.

ومن هنا، فإن الرد الحقيقي على هذه الجريمة لا يكون بالخوف أو الانغلاق، ولا بالتشكيك في النسيج الوطني، بل بمزيد من التمسك بوحدتنا، وتعزيز ثقافة المواطنة، وحماية التنوع الديني والاجتماعي، وترسيخ العدالة والمساواة. فالاختلاف الديني لا ينتقص من انتمائنا المشترك، والتنوع لا يشكل تهديدًا لوطننا، بل يصبح مصدر غنى وقوة حين تحكم علاقاتنا المحبة والاحترام والعدالة، وحين نؤمن بأن حق الآخر في الأمان والكرامة لا يقل عن حقنا فيهما.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية موقف جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وما يحمله من تأكيد على وحدة الأردنيين ورفض كل محاولة للنيل من تماسكهم. كما أن وقوف جلالته إلى جانب أبناء الكرك في مصابهم يحمل رسالة وطنية واضحة، مفادها أن دماء الأردنيين وكرامتهم وأمنهم مسؤولية وطنية جامعة، وأن الاعتداء على أي مكوّن من مكونات المجتمع هو اعتداء على الأردن كله.

وقد عبّر جلالته عن هذه الرسالة بقوله: «من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين، خاب مسعاه أمام صلابتنا ووحدتنا. جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر».

وكما جاء في تعزيته لذوي الضحايا: «أحر التعازي لذوي الشهداء وأمنياتنا بالشفاء للمصابين دم الأردني غالي، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذه البلد».

إن هذه الرسالة تؤكد أن الوحدة الوطنية الأردنية ليست أمرًا قابلًا للمساومة، وأن دماء الأردنيين وكرامتهم ليست مجالًا للعبث أو الاستغلال. فالقيادة التي تقف إلى جانب شعبها في لحظات الألم تؤكد أن الأردنيين، على اختلاف أديانهم وأصولهم، أسرة وطنية واحدة، وأن أمنهم واستقرارهم وكرامتهم مسؤولية مشتركة لا يجوز التهاون فيها.

وإذ نعبّر عن ألمنا العميق وحزننا على الشهداء، فإننا نؤكد أن الأردن أكبر من الجريمة النكراء، وأن وحدته أرسخ من أن تهزّها رصاصات الغدر. فالأوطان لا تُقاس بغياب المحن، بل بقدرتها على مواجهتها من دون أن تفقد إنسانيتها، ولا تُصان قوتها بإسكات الألم، بل بتحويله إلى موقف جامع يحمي الحياة، ويصون الكرامة، ويعزز العدالة، ويمنع تكرار الجريمة.

إن دماء الشهداء أمانة في أعناقنا جميعًا؛ أمانة تقتضي ألا نكتفي بالإدانة، بل أن نتمسك بالحقيقة والعدالة، وأن نحمي مجتمعنا من خطاب الكراهية والتحريض، وأن نربي أبناءنا على أن الإنسان أخو الإنسان في الكرامة والحق في الحياة، وأن الاختلاف لا يبرر العداء، وأن الإيمان الحقيقي لا يمكن أن يكون غطاءً للعنف أو الاعتداء على الأبرياء.

رحم الله شهداء الأردن الذين ارتقوا في هذه الجريمة الأليمة، وأسكنهم فسيح رحمته، ومنح عائلاتهم وذويهم الصبر والعزاء، ونسأل الله الشفاء العاجل للجرحى والمصابين، وأن يحفظ الأردن، قيادةً وشعبًا، من كل سوء، وأن يديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، وأن يبقى وطنًا يحمي أبناءه، ويصون كرامتهم، ويجمعهم على المحبة والعدالة والسلام.

سيبقى الأردن وطنًا يجمع أبناءه، لا تفرّقهم رصاصات الغدر؛ وستظل وحدتنا الوطنية عهدًا نحمله في ضمائرنا، ومسؤولية نصونها بأفعالنا، وكرامةً لا نقبل المساس بها.


مواضيع قد تهمك