د . ماجي دميان : التحول الاقتصادي الوطني.. من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل
بقلم الدكتورة ماجي دميان
لم تعد التحديات الاقتصادية التي تواجه الدول تقاس فقط بحجم الديون أو معدلات التضخم أو توافر النقد الأجنبي، بل بقدرتها على تحويل هذه التحديات إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر إنتاجًا واستدامة. فالدول لا تصنع مستقبلها بالحلول المؤقتة وحدها، وإنما برؤية واضحة تعيد ترتيب الأولويات، وتطلق الطاقات المعطلة، وتضع الإنسان والإنتاج في قلب عملية التنمية.
ومن هذا المنطلق، تكتسب مناقشة برنامج التحول الاقتصادي الوطني أهمية خاصة، بالتزامن مع الاستعدادات لانعقاد منتدى مصر 2026 خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر الجاري، حيث تتضمن أجندته عرض ملامح البرنامج الاقتصادي ومناقشة إدارة الدين وتنويع موارد النقد الأجنبي، وفق ما أُعلن عن المنتدى. وهي ملفات مترابطة لا يمكن التعامل مع أحدها بمعزل عن الآخر، لأنها تشكل ركائز أساسية لمستقبل الاقتصاد المصري.
اقتصاد الإنتاج.. الطريق إلى الاستقرار
إن التحول الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق بمجرد تحسين المؤشرات المالية، بل يبدأ من تغيير نموذج النمو نفسه، بحيث ينتقل الاقتصاد تدريجيًا من الاعتماد على المعالجات قصيرة الأجل إلى توسيع قاعدة الإنتاج، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، وخلق فرص عمل مستدامة.
وتملك مصر مقومات مهمة يمكن البناء عليها، من موقع جغرافي استراتيجي، وسوق محلية واسعة، وموارد بشرية قادرة على الابتكار، إلى جانب فرص واعدة في الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات الرقمية والطاقة. لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه المقومات إلى قيمة اقتصادية مضافة، من خلال سياسات مستقرة، وبيئة استثمارية واضحة، وإزالة العقبات أمام المشروعات الإنتاجية.
وهنا تبرز أهمية تمكين القطاع الخاص، ليس باعتباره بديلًا عن دور الدولة، وإنما شريكًا أساسيًا في تحقيق التنمية، بما يضمن تكامل الأدوار، وتعزيز المنافسة العادلة، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على التصدير وتوفير الوظائف.
إدارة الدين.. ما وراء الأرقام
لا يمكن تجاهل ملف الدين العام عند الحديث عن مستقبل الاقتصاد المصري؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم المديونية، وإنما بتكلفة خدمتها، وآجال استحقاقها، ومدى قدرة الاقتصاد على توليد موارد تكفي للوفاء بالالتزامات دون التضحية بالإنفاق الضروري على التعليم والصحة والبنية الأساسية.
ومن ثم، فإن الإدارة الرشيدة للدين تتطلب استراتيجية متوسطة وطويلة الأجل، تقوم على إطالة آجال الاستحقاق حيثما أمكن، وخفض تكلفة التمويل، وتنويع أدوات الاقتراض، وتعزيز الشفافية في إدارة الالتزامات العامة، مع توجيه التمويل المتاح إلى مشروعات ذات عائد اقتصادي واجتماعي واضح.
والأهم أن يكون خفض أعباء الدين نتيجة لنمو اقتصادي حقيقي وزيادة الإيرادات الإنتاجية، لا مجرد إجراءات محاسبية أو حلول تؤجل المشكلة إلى المستقبل. فكل استثمار ناجح يزيد الإنتاج والصادرات ويخلق فرص العمل يمكن أن يسهم في توسيع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
النقد الأجنبي.. من تعدد المصادر إلى استدامة التدفقات
أما تنويع موارد النقد الأجنبي، فيجب أن يتحول إلى أولوية استراتيجية تتجاوز الاعتماد على عدد محدود من المصادر. فالصادرات الصناعية والزراعية، والسياحة، وتحويلات المصريين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، وإيرادات قناة السويس، والخدمات الرقمية، كلها روافد يمكن تطويرها ضمن رؤية متكاملة.
لكن التنويع لا يعني فقط زيادة عدد المصادر، بل تعزيز قدرتها على الاستمرار ومقاومة الصدمات الخارجية. ويتطلب ذلك رفع تنافسية المنتج المصري، وتحسين جودة السلع والخدمات، وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين والمصدرين، وتوسيع مشاركة الشركات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل القيمة المحلية والعالمية.
كما ينبغي أن يرتبط جذب الاستثمار بنقل المعرفة والتكنولوجيا، وزيادة المكون المحلي، وتوفير وظائف نوعية، حتى لا تقتصر نتائجه على تدفقات مالية مؤقتة، بل تمتد إلى بناء قدرات إنتاجية تظل آثارها قائمة على المدى الطويل.
المواطن هو معيار النجاح
ومهما بلغت أهمية الخطط الاقتصادية، فإن نجاحها النهائي يجب أن يُقاس بما يشعر به المواطن في حياته اليومية: فرص عمل لائقة، ودخل قادر على مواجهة تكاليف المعيشة، وخدمات عامة أفضل، وعدالة في توزيع الفرص، وحماية للفئات الأكثر تأثرًا بالإصلاحات.
ولهذا، فإن الشفافية في شرح القرارات الاقتصادية، وإتاحة المجال للحوار مع الخبراء والقطاع الخاص والمجتمع، ومتابعة النتائج بمؤشرات معلنة، عناصر ضرورية لبناء الثقة وتعزيز المشاركة في مسيرة التنمية.
إن منتدى مصر 2026 يمثل فرصة لمناقشة هذه الأولويات بصورة عملية، لكن القيمة الحقيقية لأي منتدى لا تكمن في عدد جلساته أو تنوع المشاركين فيه، بل في قدرته على تحويل الأفكار إلى برامج قابلة للتنفيذ، بمسؤوليات محددة وجداول زمنية ومؤشرات واضحة للمحاسبة.
وفي النهاية، فإن التحول الاقتصادي الوطني ليس شعارًا يُرفع، ولا وثيقة تُعلن، بل مسار متكامل يتطلب الاستمرارية والانضباط والقدرة على تصحيح المسار. ومصر، بما تمتلكه من إمكانات وطاقات، تحتاج إلى اقتصاد لا يكتفي بإدارة الضغوط، بل يصنع فرصًا جديدة، ولا يكتفي بتوفير النقد الأجنبي، بل ينتج مصادره، ولا ينظر إلى الدين باعتباره رقمًا منفصلًا، بل باعتباره مسؤولية تتطلب تنمية مستدامة.
فالمستقبل الاقتصادي لا تصنعه القرارات وحدها، بل تصنعه قدرة الدولة والمجتمع على تحويل الرؤية إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص، والفرص إلى حياة أفضل للمواطن.
*د. ماجي دميان
سفير دبلوماسي بالمنظمة الحكومية بالأمم المتحدة و مستشار العلاقات الدولية بمجلس الاقتصاد العالمي.