د. بشار حوامدة : كي نحتمي بالأوطان لا بالملاجئ
يبدو أن العرب بحاجة إلى إعادة تعريف كلمة «الحليف»، وبالتالي بحاجة لإعادة النظر فيه، فبعد عقود من شراء السلاح الأمريكي بمئات المليارات، واستضافة القواعد العسكرية، والتقاط الصور مع الرؤساء، اكتشفنا أن الأمن ليس بندًا في فاتورة السلاح، وأن الصداقة في السياسة لا تُقاس بعدد الزيارات، بل بما يحدث عندما تبدأ الصواريخ بالوصول.
لسنا ساذجين إلى درجة مطالبة أمريكا بالتخلي عن مصالحها من أجل عيوننا، لكننا أيضًا لسنا مضطرين لدفع ثمن مصالحها من أمننا واستقرارنا. أمريكا تحسبها بالانتخابات والمصالح والنفوذ، وإسرائيل لها مكانة خاصة في حساباتها. أما العرب، فعليهم أن يتوقفوا عن اعتبار الابتسامة في البيت الأبيض وثيقة تأمين على الحياة.
المشكلة ليست أننا اشترينا السلاح، بل أننا اشترينا معه وهم الحماية.
ثم جاءت المسيّرات لتشرح لنا الاقتصاد السياسي للحرب. مسيّرة بآلاف الدولارات قد تستنزف صاروخ اعتراض بملايينها. وهكذا تجد نفسك تطارد حشرة بمدفع، ثم تكتشف أن الحشرة تتكاثر، وأن مخزون المدافع ينفد! أو بمعنى أبسط وأكثر وجعا في الآن نفسه: نحن نشتري السلاح من الحليف لننفقه في الدفاع عن أنفسنا جراء حروب هذا الحليف في منطقتنا! تلك إذن قسمةٌ ضيزى!
إنها محاولة طمر المحيط برمال الشاطئ؛ لا لأن الرمل بلا فائدة، بل لأن المعركة تُدار بطريقة تجعل كلفة الدفاع مرشحة لأن تصبح أكبر من قدرة المدافع على الاحتمال.
وهنا السؤال: هل نشتري السلاح لنحمي أنفسنا، أم لنبقى زبائن دائمين في سوق لا تنتهي فيها المخاوف ولا تنفد معها الفواتير؟
على مدى سنوات، جرى تسويق إيران باعتبارها البعبع الذي يبرر كثيرًا من صفقات السلاح والتحالفات. ولإيران صفحة سوداء في تاريخ منطقتنا وأوطاننا لا يبيضها الحاضر، لكن السؤال الذي لا يقل أهمية هو: من مهد لها هذه التدخلات؟ ومن غض الطرف عنها؟ ثم قرر في لحظة أنها العدو الأوحد وعلينا التسلح لمواجهتها؟
من المستفيد من خلاف سعودي إماراتي، وصراع سعودي يمني، وتنافس على النفوذ في السودان، فيما تتزاحم القوى الدولية على الموانئ وممرات التجارة والطاقة؟
لا أؤمن بأن كل خلاف مؤامرة، لكنني لا أؤمن أيضًا بأن العالم يتفرج علينا ببراءة. هناك من يعرف كيف يحوّل خلافاتنا إلى فرص، ومخاوفنا إلى صفقات، وثرواتنا إلى نفوذ له.
ولعل كلمات هشام الجخ: «سيجف هذا النفط فوق جلودكم» تستحق أن تُقرأ اليوم خارج إطار الشعر. فالسؤال ليس متى ينفد النفط، بل ماذا سنكون قد بنينا قبل أن ينفد؟ هل سنملك مشروعًا واقتصادًا وقوة، أم سنكتشف أننا أنفقنا الثروة على شراء الطمأنينة، والطمأنينة نفسها بالتقسيط؟
يحدث ذلك كله بينما تضيع فلسطين في زحام هذه الحسابات، فالاستيطان يأكل ما تبقى منها سرا وعلانية، والمستوطنون يتوحشون في الضفة كما لم يحدث من قبل، وسط إدانات عربية خجولة من جهة، واستنكار غربي "متفقٌ عليه" من جهة أخرى، أما غزة فتترك لموت بطيء لم تعد تحتفي به نشرات الأخبار كما السابق!
ومهما اختلفنا في تقدير الخيارات والنتائج، فإن المنطقة تدفع ثمن صراعات لم تعد تعرف كيف تحصر نيرانها.
وفي هذا السياق، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026 بمثابة جرس إنذار للمنطقة والعالم؛ إذ لم يكتفِ بالتحذير من استمرار المأساة الفلسطينية، بل نبّه إلى مخاطر الأطماع الإسرائيلية المتصاعدة وانعكاساتها على أمن المنطقة، مؤكدًا أن المساس بمياه الأردن وحدوده مساس بأمنه .
لكن جرس الإنذار لا يكفي إن بقي العرب في مقاعد المتفرجين. فالأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا وطنًا بديلًا للفلسطينيين، ولا تفصيلًا في خرائط الآخرين. سيادته وأمنه وكرامة شعبه خطوط لا تقبل المساومة، وفلسطين بالنسبة إليه قضية حق وهوية وأمن ومستقبل. ومن هنا، فإن ترجمة خطاب الملك إلى موقف عملي تتطلب جبهة داخلية متماسكة، واقتصادًا قادرًا على الصمود، والوقوف وصفا واحدا كالبنيان المرصوص خلف جيشنا الباس، وقرارًا وطنيًا مستقلًا، وموقفًا عربيًا لا يترك فلسطين ولا يترك الأردن وحيدًا أمام كل هذه العواصف.
الحل ليس أن نستبدل الوصاية الأمريكية بوصاية أخرى، فنكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، بل أن نتوقف عن طلب الوصاية أصلًا. نحتاج إلى مصالحة عربية حقيقية، وإلى إنهاء الخصومات التي تُدار أحيانًا بعناد الأشخاص بدلًا من مصالح الدول. ونحتاج إلى حوار جاد مع تركيا وحتى إيران إذا لزم الأمر، لا لتسليم المنطقة لأي منهما، بل لبناء تفاهمات تضبط الخلاف وتحمي السيادة والمصالح المشتركة. ونحتاج إلى تعاون دفاعي عربي وصناعة وتكنولوجيا وقدرة على اتخاذ القرار، بدل أن تشتري كل دولة أمنها منفردة ثم تكتشف أن أمن جارتها جزء من أمنها.
لسنا مضطرين إلى خصومة مع العالم كي نكون مستقلين، لكننا مضطرون إلى إنهاء الفكرة التي تقول إن المنطقة لا تستطيع العيش من دون شرطي أجنبي. فالشرطي لا يحرس الشارع مجانًا، وقد يقرر يومًا أن أولويته في شارع آخر.
في النهاية، حين يصبح الملجأ أهم من القصور المنيفة، فهذه ليست مشكلة في بناء الملاجئ، بل في بناء الأوطان.
فالأمة التي لا تملك مشروعًا يحمي مصالحها، ستظل تشتري أمنها من الآخرين، وتنتظر منهم أن يقرروا متى تحتمي ومتى تواجه. وحينها، لن ينفعها عدد القصور ولا عدد الصور؛ لأن آخر ما يحتاجه العربي في ساعة الخطر هو صورة جديدة مع الحليف، وأول ما يحتاجه هو وطن قوي يعرف أن مفتاح أمنه وقراره في يده.