د. حمزة الشيخ حسين : مديح الأسياد وثمن الكرامة.. حين يفقد اللسان وقاره
د. حمزة الشيخ حسين
ما ذلَّ رجلٌ كمن استعبده وهمُ «وليّ النعمة»، فراح يبيع كبرياءه بمديح البشر، ظانًّا أن الرزق بأيديهم، ناسياً أنه بيد الله وحده.
لم يعد التملق والمبالغة في الثناء على أصحاب النفوذ مجرد سلوك عابر، بل أصبح ظاهرةً تستحق التوقف عندها، حين يتسابق البعض إلى إطلاق عبارات التمجيد والإطراء، طمعًا في حظوة أو منفعة، وكأن الكرامة ثمنٌ يمكن دفعه للحصول على رضا الآخرين.
وتبدو المفارقة واضحة حين يبالغ موظف في مدح رئيسه، أو عامل في تمجيد صاحب عمله، وكأن الراتب الذي يتقاضاه ليس حقًّا مقابل جهده وعمله، بل مِنّة تستوجب التبعية والانحناء.
إن العلاقة المهنية تقوم على الحقوق والواجبات والاحترام المتبادل، لا على استعباد النفوس أو التنازل عن الكرامة. فمن حق المسؤول أن يُحترم، وأن يُشكر إذا أحسن، لكن ليس من حق أحد أن ينتظر من الآخرين أن يبيعوا قناعاتهم ليؤكدوا مكانته.
إن المشكلة ليست في المديح، بل في دوافعه؛ فهناك فرق بين الثناء الصادق على عمل يستحق التقدير، وبين التملق الذي تحركه المصالح والمنافع الشخصية. الأول من شيم الكرام، والثاني يكشف عن هشاشة الموقف وضعف الشخصية.
فالإنسان الواثق بنفسه يدرك أن الرزق بيد الله، وأن الناس أسبابٌ وليست مصادر الرزق. لذلك لا يبيع كرامته طلبًا لمنصب، ولا يبالغ في الثناء خوفًا من خسارة امتياز، ولا يجعل من لسانه وسيلةً للتقرب إلى أصحاب النفوذ.
إن المجتمعات لا تنهض بالتصفيق للأشخاص، بل بالكفاءة والنزاهة والإخلاص، وبوجود أشخاص يقولون كلمة الحق، ويمنحون الثناء لمن يستحقه، دون أن تحكمهم المصالح أو ترهبهم مواقع النفوذ.
وليس عيبًا أن نشكر المحسن أو نقدّر المسؤول الناجح، لكن العيب أن يتحول الشكر إلى عبودية، والتقدير إلى استجداء، والاحترام إلى تنازل عن الشخصية والكرامة.
فالراتب مقابل العمل، والتقدير مقابل الإنجاز، أما الكرامة فلا تُشترى ولا تُباع.
فلنحافظ على وقار الكلمة وعزة النفس، ولنتذكر أن المكانة الحقيقية تُصنع بالمواقف الصادقة، لا بعبارات المديح الزائف، وأن الإنسان الذي يحترم نفسه لا يجعل من لسانه سلعةً في سوق المصالح، ولا ينحني إلا لله سبحانه وتعالى.