اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : الصراع مع إسرائيل سياسي وليس دينيًا (3)

د. خالد الحريرات البطوش : الصراع مع إسرائيل سياسي وليس دينيًا (3)
أخبارنا :  

في إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي التزمت الدول العربية بالسياسة وخاضت الحروب امتدادا لها، على نحو يتفق مع قواعد الصراع المقبولة في التنظيم الدولي المعاصر منذ تراجع الشحن الديني للحروب الذي أتى الى نهايته مع معاهدة (وستفاليا) في منتصف القرن السابع عشر، ولكن خارج المنظومة القانونية والسياسية التي تحكم الدول بقي الدين حاضرا في تفسير الصراع. والمفارقة ان المرجعيات الإسلامية وبقدر ما تختلف مع التأويل اليهودي المسيّس الا انها تتوافق معه من حيث لا تريد، تتوافق معه في رسم مسار الصراع وتوجيهه نحو الصدام، وتختلف معه حدّ التناقص في نبوءات النتيجة التي ينتهي اليها ذلك الصراع، وهنا يمكن للخلفيات الدينية ان تتفتق عن أنماط لتسيير الصراع الى حدّ خلق مشهد مزدحم بالمفارقات، فحين يقصد طرف الحاق ضربة موجعة بالاخر ولكنه بدلا من ذلك يقدم خدمة جليلة لذلك الطرف تتجلى المفارقة، وقد ثبت للجميع كيف ساهم تنكيل الاحتلال بالشعب الفلسطيني في رفع شعبية التشدد الديني وإضعاف موقف سياسة الاعتدال العربي، وبالمقابل كيف يمكن لعملية غير مدروسة ضد الاحتلال ان تساعد اليمين المتشدد هناك من الفوز في الانتخابات.

على المستوى الفلسطيني، وبالرغم من الجذور الدينية لعدد من مؤسسي حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وارتباطها بدور الاخوان المسلمين في تسيير المتطوعين للجهاد خلال حرب عام 1948، الا ان هذه الحركة تنبهت الى مخاطر قصر النضال على البعد الديني، وادركت مبكرا ضرورة الإبقاء على العمق السياسي والوطني للنضال، وهكذا تبنى المتطوعون ذوي الخلفيات الدينية مواقف سياسية اكثر منها عقائدية، وقد كان ذلك التحول مدفوعا برغبة براغماتية لتأسيس تنظيم عابر للأيدولوجيا ومتحرر من الانحيازات العقائدية ليس بهدف مناكفتها وانما للعمل المشترك بمعيتها، وبالإضافة الى كل ذلك كانت علاقة الاخوان المسلمين بالانظمة العربية متشنجة وقتئذ، ولم يكن بمقدور الحركة المغامرة بإغاظة الحكومات التي تقف الى صفها وتدعمها.

نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 فتح شهية الحركات الإسلامية لتولي السلطة، وبتأثير عدوى ولوج الدين الى السياسة تأسست حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عام 1987 بقصد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وبالرغم انها لم تتولد في فراغ الا ان جذورها الدينية السابقة كانت اجتماعية وليست سياسية، ولهذا تساهلت إسرائيل مع حواضنها الاجتماعية في حينها، بل ورأت فيها بذورا للخلاف مع حركة (فتح) وهو ما تحتاج الى بقائه أكثر مما ترغب في استئصاله، لكن بعد ذلك انقلب السحر على الساحر، غير ان هذا الوضع لم يستمر طويلا على ذات المنوال.

مع بدء العمل السياسي الفلسطيني من الداخل وفقا لاتفاقات اوسلو، بقيت حركة (حماس) والجهاد الإسلامي تتمسك بالمقاومة المسلحة وبخيارات نضالية مختلفة عن توجهات السلطة الوطنية الفلسطينية، عندها خطر لإسرائيل فكرة تغذية هذا الانقسام والنفخ فيه من أجل إضعاف السلطة الفلسطينية من جهة والادعاء بعدم تمثيلها لكامل الشعب الفلسطيني من جهة ثانية، وقد اتبعت إسرائيل هذه السياسة بغرض بناء حجّة تخدع بها العالم في سبيل التنصل من التزامات اتفاقية أوسلو والامتثال لقرارات الشرعية الدولية، واستمرأت تقديمها دليلا على ادعائها بعدم وجود شريك حقيقي للسلام في الطرف الفلسطيني، فالسلطة الفلسطينية في المرافعة الإسرائيلية لا تسيطر على غزة، وفي القطاع نجح الإسرائيليون في تقديم المقاومة امام العالم ليس كحركة تحرر من الاحتلال وانما كندٍ عقائدي يحارب اليهودية والمسيحية معا، ومن اجل ان ينطلي هذا الزعم الإسرائيلي على العالم حرصت إسرائيل على خلع الطابع الديني على الصراع، وامام هذه الحقائق فان المصلحة الفلسطينية تقتضي تعرية ادعاءات الاحتلال، ولكن قبل ذلك على الفلسطينيين تجاوز اسباب الانقسام التي تنتج الحجّة الاسرائيلية، ثم قراءة المشهد الدولي بغرض استخدام الأدوات المقبولة دوليا للحصول على حقوق الشعب الفلسطيني، وهنا على الجميع ان يدرك ان القداسة الدينية للقضية الفلسطينية في وجداننا ليست كذلك بالنسبة للمجتمع الدولي، وان الخطاب التعبوي المصمم للداخل لا يجدي نفعا على المستوى الدولي.


مواضيع قد تهمك